رأىسلايدر

زيارة ترامب إلى الخليج: تقاطعات المصالح وتبدلات التوازنات العالمية

Listen to this article

بقلم: د. أحمد مصطفى

تشكل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دول الخليج (السعودية، قطر، الإمارات) حدثًا لافتًا في سياق جيوسياسي بالغ التعقيد، إذ تتزامن مع مفاوضات أمريكية-إيرانية في مسقط تهدف لإحياء الاتفاق النووي، واحتمالات لعقد لقاء ثلاثي يجمع ترامب وبوتين وزيلينسكي في إسطنبول. هذا التوقيت الحرج يسلّط الضوء على محاولات واشنطن لاستعادة زمام المبادرة عالميًا، خاصة في ظل توتراتها المتصاعدة مع إيران واشتداد الأزمة الأوكرانية.

تؤكد هذه الزيارة على محورية الخليج في استراتيجية ترامب الرامية إلى كبح النفوذ الإيراني وضمان أمن الطاقة، في وقت تكثّف فيه دول الخليج علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا. ورغم الدعم الخليجي للولايات المتحدة، تبرز مفارقة لافتة: غياب الضغط الخليجي الفعّال لدفع واشنطن نحو مواقف أكثر عدالة تجاه القضية الفلسطينية، لا سيما في ظل تجاهل ترامب لتل أبيب في جدول زيارته، مما أثار تساؤلات استراتيجية.

اقتصاديًا، تشكل خطة الإنقاذ الخليجي للولايات المتحدة بقيمة 2 تريليون دولار استجابة لأزمة مالية جديدة، مشابهة لدعم سابق عام 2008. لكن الواقع الجديد يختلف جذريًا، حيث تتمتع دول الخليج اليوم بقوة جيوسياسية أعلى، لم تُوظف حتى الآن بالشكل الكافي لخدمة القضايا العربية الجوهرية، وعلى رأسها فلسطين. وتبرر بعض العواصم الخليجية هذه الخطوة بأنها ضرورية لحماية الاستقرار الإقليمي ومصالحها الاستثمارية.

أما على الصعيد الإقليمي، فتبرز مصر بموقف مستقل وقوي، تمثل في رفض الرئيس السيسي المشاركة في أي مساعٍ لتوطين الفلسطينيين خارج غزة، وإحجامه عن اللقاء بترامب. كما أن اصطفاف القاهرة في احتفالات النصر بموسكو يعكس توجها استراتيجيًا نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، تحاول فيه مصر تحقيق توازن بين سيادتها ودورها الإقليمي.

وأثارت تصريحات ترامب المثيرة للجدل حول “تهجير سكان غزة إلى ليبيا” عاصفة من الانتقادات الدولية، ودفعت بمراقبين إلى التشكيك في توازنه القيادي، خاصة في ظل إخفاق حلفائه في التصدي لهجمات نوعية مثل استهداف الحوثيين للأنظمة الدفاعية في إسرائيل. وتزايدت الدعوات الدولية، من روسيا إلى جنوب إفريقيا، الرافضة لمواقفه بشأن غزة، مما يعكس عزلة أمريكية متزايدة.

ختامًا، لا تعود زيارة ترامب إلى الخليج كإنجاز دبلوماسي بقدر ما تعكس تراجعًا استراتيجيًا أميركيًا في عالم تتغير فيه موازين القوى. فبين تفاوض الصين في جنيف، وروسيا في إسطنبول، وإيران في مسقط، تبدو الولايات المتحدة في موقف دفاعي، تفتقر فيه إلى المبادرة الموحدة، وتواجه خصومًا أكثر استعدادًا ودراية بالتكتيك التفاوضي، في عالم لم يعد يقبل بالهيمنة الأحادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى