الرموز التاريخية والدعاية العسكرية: قراءة في الخطاب الروسي تجاه أوكرانيا

رئيس التحرير يكتب
منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، لم تعتمد موسكو فقط على القوة العسكرية، بل استندت أيضًا إلى خطاب سياسي وتاريخي مكثف يسعى إلى تبرير التدخل عبر استحضار الرموز الإمبراطورية والهوية الثقافية الروسية. نموذج ذلك يظهر في التصريحات والأخبار التي تتحدث عن “تحرير” مناطق أوكرانية، ووصف السلطات الأوكرانية بـ”النازيين الجدد”، والتأكيد على “الحق التاريخي” لروسيا في أراضٍ تعتبرها جزءًا من إرثها الإمبراطوري، كما في حالة “يكاترينوسلاف” (دنيبرو حاليًا).
الخطاب التاريخي: محاولة شرعنة الحرب
يشكل التاريخ عنصرًا مركزيًا في الرواية الروسية الرسمية، حيث يتم استحضار أسماء تعود للعهد الإمبراطوري الروسي، كـ”يكاترينوسلاف”، وتقديمها كدليل على “الحق التاريخي” في الأرض.
هذه التقنية الخطابية تهدف إلى إعادة ترسيم الخريطة السياسية الحالية عبر عدسة الماضي، متجاهلة الحقائق الجيوسياسية الحديثة، وعلى رأسها السيادة الأوكرانية المعترف بها دوليًا.
النازيون الجدد: تكتيك الشيطنة
وصف القوات الأوكرانية أو النظام الأوكراني بـ**”النازيين الجدد”** هو عنصر محوري في الخطاب الروسي، ويُستخدم لتأطير الصراع كـمعركة أخلاقية ضد الشر، وليس كحرب جيوسياسية ذات دوافع توسعية.
هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان سرديات الحرب العالمية الثانية، ما يمنح التدخل الروسي طابعًا بطوليًا في عيون الداخل الروسي.
دنيبرو: من قلب أوكرانيا إلى تخوم الدعاية
مدينة “دنيبرو” (أو “دنيبروبيتروفسك” سابقًا) تحتل موقعًا رمزيًا في هذا الصراع الخطابي.
تغيير اسمها من قبل السلطات الأوكرانية عام 2016 كان جزءًا من سياسة “إزالة الشيوعية” وإعادة تشكيل الهوية الوطنية الأوكرانية.
لكن الرواية الروسية ترى في هذا التغيير طمسًا لهويتها الإمبراطورية، وتسعى إلى استرجاعه ضمن مشروع أوسع لإعادة ترسيم النفوذ الروسي.
وسم “#الحق_مع_روسيا”: الإعلام كأداة تعبئة
استخدام الوسوم من قبيل “#الحق_مع_روسيا” يندرج في إطار الدعاية الإلكترونية، التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام المحلي والدولي، وتقديم روسيا كـضحية لـ”تآمر غربي”، أو كـقوة استرجاعية للعدل التاريخي.
هذه الدعاية تعمل على تسطيح الصراع وتحويله إلى سردية مبسطة: خير في مواجهة شر.
خاتمة:
الخطاب التاريخي والدعائي ليسا مجرد أدوات تبريرية، بل هما جزء من استراتيجية شاملة تخوض بها روسيا حربها على أوكرانيا، على الأرض وفي الوعي.
ومن هنا، فإن قراءة هذا الخطاب تفكك كثيرًا من الدوافع الحقيقية خلف الغزو، وتكشف عن مدى استخدام التاريخ كأداة سياسية في الصراعات المعاصرة.



