
بينما تقرأ هذه السطور، هناك قافلة مساعدات ضخمة تتحرك بالفعل من الحدود الغربية لمصر، في طريقها إلى معبر رفح، ساعية لكسر الحصار المفروض على إخوتنا في غزة. قافلة شعبية ضخمة تُعرف بـ”قافلة الصمود” انطلقت من الجزائر وتونس مروراً بليبيا، بهدف الوصول إلى غزة وتقديم المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية.
لكن القصة لا تنتهي عند النوايا النبيلة. هناك تفاصيل كثيرة – وربما خطيرة – يجب الوقوف عندها قبل أن نندفع خلف الشعارات.
⚫ القافلة: نبل القصد وتعقيد الواقع
التحرك شعبي بامتياز، يضم أكثر من ألف مشارك من خمس دول عربية، وقد ينضم إليهم مصريون أيضًا. هؤلاء تحركهم العقيدة والقضية، ويريدون أن يخطّوا خطوة تُعيد الروح لأمة مثقلة بالخذلان.
لكن أمام هذا الحراك، تقف حواجز سياسية وأمنية لا يمكن تجاهلها:
1️⃣ معبر رفح.. معضلة مغلقة
المعبر اليوم ليس مجرد نقطة حدودية، بل منطقة حرب حرفياً. الجانب الفلسطيني منه مدمّر وتحت سيطرة إسرائيل. ومن دون تنسيق رسمي مع الجهات المصرية، فإن أي وصول مباشر إليه يعرض القافلة للخطر الشديد، خصوصاً في ظل حادثة “سفينة مادلين” التي اختطف فيها الاحتلال نشطاء قدموا بالمساعدات.
فما الذي سيحدث إن أطلق جيش الاحتلال النار على المشاركين؟
هل تتدخل مصر وتدخل في مواجهة عسكرية مباشرة؟
أم تتركهم عرضة للاعتقال وتتحمل الانتقادات؟
2️⃣ الفوضى داخل غزة نفسها
غزة لا تواجه الاحتلال فقط، بل أصبحت مسرحاً لاشتباكات داخلية مسلحة بين المقاومة وميليشيا مجهولة تدعى “أبو شباب”، مدعومة – بشكل مريب – من طائرات مسيّرة إسرائيلية ومن جهة عربية معروفة.
هل يدرك أعضاء القافلة أنهم ربما يدخلون منطقة تتداخل فيها خطوط النار؟
وهل هم مستعدون لمثل هذا السيناريو؟
3️⃣ أين التنسيق الرسمي؟
حتى الآن، لم تتلقَ السفارات المصرية أي طلبات تأشيرة من المشاركين.
ولا توجد معلومات عن تواصل رسمي مع مصر أو موافقة حكومية على استقبال القافلة.
فهل يمكن لقافلة بحجم هذا الحدث أن تتحرك دون تنسيق واضح مع الدولة المعنية؟
4️⃣ ماذا لو توقفت القافلة على الحدود؟
إن وصلت القافلة إلى معبر السلوم ولم يُسمح لها بالدخول، هل سينتظر المشاركون حتى يتم التنسيق؟
أم ستستغل جهات إعلامية الأمر لتتهم مصر بعرقلة دخول المساعدات، وتحرجها دوليًا؟
🟡 مشاعرنا معكم.. لكن السياسة لا تُدار بالعواطف
لا أحد في مصر – شعباً أو دولة – ضد فلسطين. المصريون احتضنوا القضية لعقود، وكانوا وما زالوا شريان حياة لقطاع غزة.
لكن في السياسة، النية الحسنة لا تكفي. الطريق إلى فك الحصار لا يُعبد بالمشاعر وحدها، بل بالتخطيط والتنسيق والوعي بالمآلات.
🟣 فخ الاستغلال السياسي
من الواضح أن هناك من يريد ركوب موجة القافلة وتحويلها إلى أداة ضغط سياسي على مصر.
بعض الخطابات التي تصدر من منظّمي الحملة تكشف عن نوايا لتوريط مصر أو إحراجها، أو فرض أمر واقع غير محسوب العواقب.
فهل يدرك المشاركون أنهم قد يكونون أداة في معادلة أكبر من مجرد قافلة إنسانية؟
🟠 الخلاصة: ماذا نريد؟
لسنا نطلب إلغاء القافلة، بل تنسيقها وتأمينها.
نعرف من يأتي، ولماذا، وكيف، ومتى.
نضمن سلامة المشاركين، ونعرف كيف نحميهم من الاستهداف، لأن العدو لا يفرّق بين مدني وعسكري.
وأخيرًا، كما قلنا سابقًا:
المعركة ليست على الحدود فقط، بل في الرواية.
دعونا لا نُهدى عدونا فرصة أخرى لاستغلال نبل قضيتنا في مشاهد مُرتبة بإتقان لهزيمة جديدة.
📌 إن نُصرة غزة لا تعني التهور، بل تتطلب عقلًا باردًا وقلبًا مشتعلًا.
اللهم احمِ أهلنا في فلسطين، واحفظ بلادنا من الفتن، وألّف بين قلوبنا وأفعالنا، واهدنا إلى ما فيه الخير والنصر.



