بوتين وأردوغان.. تسوية نووية أم خديعة كبرى؟
هل تُستدرج إيران إلى الفخّ عبر وساطة تُمهّد لضربة صهيونية أمريكية جديدة؟

رئبس التحرير يتساءل ؟!
بينما لا تزال المنطقة تئنّ تحت وطأة التصعيد الصهيوني المتواصل، والردود الإيرانية غير المسبوقة، يُعلن كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان عن اتفاق لتسوية القضايا العالقة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذا الإعلان، في توقيته ومضمونه، يثير أسئلة مصيرية:
لماذا الآن؟ ولماذا من بوتين وأردوغان تحديدًا؟
▪ إيران.. هل تُستدرج من جديد؟
المؤشرات كلها تُنذر بأن الوساطة الجارية ليست نابعة من رغبة حقيقية في الاستقرار، بل قد تكون غطاءً لخديعة استراتيجية يُعدّها الثنائي نتنياهو وترامب بإحكام.
تجارب العقود الماضية تثبت أن:
- كل هدنة تسبق ضربة إسرائيلية خاطفة؛
- وكل تسوية “مفترضة” تُستخدم لتخدير الخصم؛
- وكل وساطة غير مشروطة لا تُفضي إلا إلى تمكين العدو.
وإيران، التي لم تتعافَ بعد من اغتيال قائدها النووي فخري زادة، وها هي تفقد رئيس جمهوريتها ووزير خارجيتها وقادة كبار في الحرس الثوري، قد تُقاد مرة أخرى إلى كمين الخداع الدولي بدعوى ضبط النفس والعودة إلى الحوار.
▪ وساطة بشروط لا تنازل عنها
إذا كانت الوساطة صادقة، فلتبدأ أولًا بشروط الحد الأدنى للعدالة الإقليمية، منها:
- اعتذار رسمي من إسرائيل وتعويض شامل للشعب الفلسطيني عن كل الخسائر المادية والأدبية، مع الالتزام الصريح بحل الدولتين وفق حدود 1967، وهو ما يقتضي إقالة حكومة نتنياهو المتطرفة.
- اعتراف إسرائيل العلني بمسؤوليتها عن سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات إيرانية ومحور المقاومة، بدءًا من الرئيس إبراهيم رئيسي وعبداللهيان، وصولًا إلى هنية ونصرالله وسليماني وآخرين.
- تحمّل إسرائيل تعويضات مالية لمصر عن خسائر قناة السويس الناتجة عن اضطرابات البحر الأحمر بفعل توسّع دائرة النزاع العسكري البحري.
- قرار دولي ملزِم من مجلس الأمن يُدين جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وعملياته التخريبية في إيران، ويُلزمه بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية (242، 338، وغيرها) دون انتقائية.
لكن الواقع يقول: لا شيء من هذا سيتم. بل تُصاغ الوساطات لخدمة مَن يسعى لتجريد إيران من نفوذها الإقليمي وثروتها النووية، ومن ثم تدمير نظامها السيادي.
▪ الثالوث الروسي–التركي–الإيراني.. هل تصدّع؟
رغم ما يُعلن عن تقارب استراتيجي بين موسكو وطهران وأنقرة، فإن الواقع السياسي يكشف تصدّعًا في الثقة:
- روسيا، رغم دعمها المعلن لإيران، تُبقي علاقتها بإسرائيل نشطة، خاصة في ملف سوريا.
- تركيا تلعب على الحبال، وتُنسق أمنيًا مع تل أبيب أحيانًا، وتغض الطرف عن اغتيالات تُنفَّذ في مناطق نفوذها.
- الصمت الروسي–التركي على استهداف القادة الإيرانيين، بل التسريبات عن إمكانية استبدال بشار الأسد بشخصية “جولانية سنية”، يُظهر نوايا مقلقة قد تُشكل خيانة ضمنية لمحور المقاومة.
▪ معادلة وجودية: إما إيران… أو الاحتلال
المرحلة التي تمر بها إيران وجودية لا سياسية، والمعادلة واضحة:
إما أن تُواصل إيران ضرباتها القاتلة التي أوجعت الكيان المحتل وأربكت حساباته،
أو أن تنزلق إلى فخّ الوساطات الناعمة، وتُجرد من حلمها النووي، وتُسلب سيادتها ومكانتها الإقليمية.
ومع الأسف، فإن نبرة تصريحات الرئيس المؤقت بزيشكيان ومساعد الخارجية عباس عراقجي لا ترقى إلى كارثية المشهد، ولا تعكس مستوى التحدّي الذي بلغ ذروته مع جرائم الاحتلال الأخيرة بحق الرموز والقيادات.
▪ خلاصة المشهد
“الوساطة” ليست دائمًا سلامًا… بل أحيانًا غطاء لخديعة مُنسقة تُدار بإتقان من أطراف تتقاطع مصالحها عند هدف واحد:
ألا تنفرد إيران بقيادة المشرق الجديد، وألا تسقط حكومة نتنياهو المتطرفة قبل تصفية حساباتها الأخيرة.
وإذا لم تنتبه طهران لهذا المشهد، فإن ما ينتظرها ليس فقط اغتيال برنامجها النووي، بل اغتيال مشروعها الوطني من الجذور.



