
تحليل: لواء محمد حسين
وكيل أول وزارة بالهيئة العامة للإستعلامات
في مشهد يفيض بالمفارقة، يخرج بنيامين نتنياهو على العالم بوجه “الواعظ”، يروّج لحربه على إيران تحت شعار “الأمن والسلام”، ويقدّم نفسه حاميًا للمنطقة من “الخطر النووي الإيراني”، بينما تنغمس يداه في مستنقع الدماء، من غزة إلى طهران. وكأن الشيطان قرر أن يعظ، وأن يقود حربًا مقدسة باسم الفضيلة.
فقد أطلقت إسرائيل اسم “الأسد الصاعد” على هجومها ضد إيران، وهو اسم ليس اعتباطيًا. فالأسد يحمل في المعتقدات اليهودية رمزية روحية وتاريخية، كما أنه كان رمزًا رسميًا لإيران خلال الحقبة الشاهنشاهية. وهنا تلمّح إسرائيل إلى إحياء “إيران القديمة”، متجاوزة الجمهورية الإسلامية، كأنها ترسل رسالة بأن معركتها ليست مع النظام فحسب، بل مع هوية ما بعد الثورة نفسها.
وبينما تزعم إسرائيل أن هدف الهجوم هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وتصرّ إيران على أن مشروعها النووي سلمي الطابع، فإن ثمة قراءة أعمق لأهداف إسرائيل من هذا التصعيد. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1. تحريك الداخل الإيراني
منذ الضربة الأولى، صرّح نتنياهو بأن الأوان قد حان “لينهض الشعب الإيراني ضد حكومته”. إنه لا يخفي نواياه، بل يسعى لتكرار سيناريوهات “الفوضى الخلاقة” في دولة تعتبرها تل أبيب تهديدًا دائمًا. إنه يستدعي الثورة من الخارج، كما لو كان يملك مفاتيح التغيير في طهران.
2. تعطيل لا تدمير
يدرك نتنياهو أن إسرائيل، رغم قدراتها، لا تملك الأدوات اللازمة للقضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني. فهي تفتقر إلى قاذفات استراتيجية مثل B-2 وB-52 التي تحتكرها واشنطن وترفض تسليمها لحلفائها. لذلك، فإن الهجوم يستهدف فقط التعطيل الجزئي والتشويش المؤقت، لا الحسم النهائي.
3. استدراج واشنطن
الحرب الإسرائيلية لا تسعى فقط لإضعاف إيران، بل تهدف إلى جرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع جديد. فنتنياهو يعرف أن بقاءه السياسي مرهون بإشراك واشنطن في المواجهة، وقد صرّح بأن إيران تمثل تهديدًا أكبر للمصالح الأمريكية من تهديدها لإسرائيل، وكأن الدم الأمريكي ينبغي أن يُسفك ليحمي مشروعه السياسي.
4. إشاحة الضوء عن غزة
في ظل تصاعد التعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية، خصوصًا مع صور الإبادة في غزة، تأتي الضربة على إيران لتصرف أنظار العالم وتعيد تشكيل جدول أولويات الإعلام الدولي. فالهجوم لا يُفهم خارج سياق محاولة إسرائيل طمس جرائمها عبر تصعيد جديد في جبهة أخرى.
5. الهروب الكبير
يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة: أزمة الأسرى لدى حماس، تراجع أداء الجيش في غزة، تدهور اقتصادي، وتآكل الثقة الشعبية. ولذا يرفع شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، معتقدًا أن الحرب قد تمنحه نصرًا سياسيًا سريعًا – حتى لو كان وهميًا – يرمم صورته المتآكلة منذ انطلاق “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023.
ازدواجية نووية.. صمت ديمونا يتكلم
ومن المفارقات الصارخة أن نتنياهو يشنّ حربًا تحت شعار “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”، بينما تتربع إسرائيل ذاتها على ترسانة نووية صامتة، يتراوح عدد رؤوسها بين 80 و200 رأس نووي، بحسب تقديرات الخبراء الدوليين. ويُعدّ مفاعل “ديمونا” في صحراء النقب قلب هذا البرنامج السري، الذي ترفض إسرائيل حتى اليوم إخضاعه لأي رقابة دولية.
نتنياهو، الذي يحاضر في الأمن الإقليمي، يقف على قمة ترسانة نووية غير مُعلنة، بينما يطالب بتجريد الآخرين. لم توقّع إسرائيل على معاهدة عدم الانتشار النووي، ولم تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على منشآتها. فكيف لمن يمتلك القنبلة أن يمنع من لم يصنعها بعد؟
الخاتمة: وعظ بلا أخلاق
حين يعظ نتنياهو، فإن كلماته لا تخرج من منبر، بل من فوهة بندقية. يقدّم نفسه كمنقذ، بينما يزرع الخراب حيثما حلّ. لا يبحث عن أمن المنطقة، بل عن أمن مقعده. ولا يخوض حروبًا ضد الشر، بل يصنع شرًا ليخوض حروبه.
إنه الشيطان حين يلبس رداء المصلحين.



