رأىسلايدر

أرشيف المخابرات السورية: كنز المعلومات أم قنبلة الابتزاز؟

Listen to this article

بقلم: د. ذيب القرالة

فتحت الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، لا سيّما في أيامها الأولى، شهية الأجهزة والدول والأفراد لرصد وتحليل حجم وشكل وأدوات الاختراق الاستخباري الإسرائيلي غير المسبوق للساحة الإيرانية، ذلك الاختراق الذي شكّل مفاجأة صادمة لكل الأطراف المعنية.

قبل اندلاع المواجهات، كانت طهران وتل أبيب قد أعلنتا عن تحقيق “إنجازات استخباراتية” متبادلة، فيما تشير التقديرات إلى أن دولًا أخرى – عبر الساحة السورية – قد حققت بدورها اختراقات صامتة لم يُفصح عنها، لكنها كانت فاعلة في صياغة المشهد.

في مشهد استعراضي، كشفت إسرائيل أنها استعادت، بعملية سرية بالتعاون مع جهاز حليف، أرشيف جاسوسها الشهير إيلي كوهين، بينما أعلنت إيران أنها وضعت يدها على كنز استخباري إسرائيلي ثمين في عملية نوعية.

لكن من يُدرك أساسيات العمل الاستخباري يعلم أن القيمة الحقيقية لأي “كنز معلوماتي” تكمن في صمته، لا في صخبه. الإعلان عن امتلاك أسرار عدوك يُسقط تلقائيًا كثيرًا من فاعليتها، إذ يدفعه إلى تغيير مصادره وخططه، وإغلاق الثغرات. لذا، فإن مثل هذه الإعلانات – رغم صخبها – أقرب إلى أدوات الحرب النفسية والدعاية الإعلامية منها إلى إنجازات استخبارية صلبة.

عقل عربي منفتح أم متلقٍ سلبي؟

الغريب أن وسائل الإعلام العربية تعاملت مع هذه التصريحات كحقائق ثابتة، مكررة مضامينها دون تحليل أو تمحيص، مما يطرح تساؤلات مؤلمة عن قدرة العقل الإعلامي العربي على التمييز بين المعلومة والسردية، وبين الاختراق والتهويل.

إن الاستهلاك السريع للمعلومة دون تحليل جعل المتلقي العربي عرضةً للتأثير النفسي والتوجيه السياسي، في مشهد خطير يستدعي وقفة تأمل ونقد ذاتي معمق.

الحرب مستمرة رغم الهدنة

رغم إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، أكدت مصادر إسرائيلية أن الحرب السيبرانية والاستخبارية ستستمر دون توقف.

ومن أكثر الأسئلة حساسية في خضم هذا المشهد: من يملك أرشيف المخابرات السورية بعد سقوط النظام؟ وهل هو في حوزة السلطة الجديدة في دمشق؟ أم أنه انتقل إلى أطراف ثالثة؟ وما تداعيات امتلاكه على ميزان القوى في سوريا والمنطقة؟

الأرجح أن هذا الأرشيف، الذي يمتد لأكثر من 55 عامًا، يتضمن معلومات حساسة حول العلاقات الأمنية السرية التي أقامها النظام السوري مع دول عربية وغربية، وتنظيمات مسلحة، وربما حتى جهات متعارضة سياسيًا أو دينيًا. الجهة التي تمتلك هذا الأرشيف تملك بالضرورة مفاتيح الابتزاز والضغط والمساومة، ما يجعلها لاعبًا خفيًا فاعلًا في مستقبل سوريا والمنطقة.

ويُرجّح أن بعض الدول ذات النفوذ في الملف السوري – مثل تركيا، قطر، روسيا أو إيران – قد حصلت على نسخ من هذا الأرشيف، إما عبر علاقتها المباشرة بالنظام أو من خلال جماعات مسلحة كـ”هيئة تحرير الشام” أو “الجيش الوطني”، أو حتى عبر أطراف محلية باعت أجزاء منه سرًّا.

ورغم احتمالية أن يكون النظام السابق قد أتلف جزءًا من الأرشيف، إلا أن تجارب الأنظمة المنهارة (كالعراق وليبيا وألمانيا الشرقية) تثبت أن الإتلاف الشامل والفوري للأرشيف الأمني شبه مستحيل في لحظات الانهيار والفوضى.

تسريبات مرتقبة… وابتزاز إعلامي ممنهج

من غير المستبعد أن نشهد في المرحلة المقبلة تسريبات إعلامية مبرمجة من محتويات هذا الأرشيف، تُستخدم لتشويه معارضين، أو إحراج دول، أو دفع باتجاه صفقات سياسية. فكل وثيقة، وكل اسم، قد يتحوّل إلى أداة في معركة النفوذ الإقليمي والدولي.

وبذلك، فإن ما يحدث ليس مجرد صراع على الورق أو الملفات، بل هو صراع على الذاكرة الأمنية والتاريخية لدولة محورية، وعلى التحكم برواية الماضي لرسم معالم المستقبل.

كاتب وإعلامي أردني
📧 theeb100@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى