
بقلم: د. أحمد مصطفى
ستنعقد قمة البريكس في ريو دي جانيرو بالبرازيل يومي 6 و7 يوليو 2025، بمشاركة الدول الأعضاء البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وإضافات جديدة هي مصر وإيران والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإندونيسيا التي انضمت مؤخرا. وتكتسب هذه القمة أهمية حيوية لأنها ستتناول قضايا عالمية مثل التعريفات الجمركية التجارية والتضخم وانعدام أمن الطاقة والهجمات غير القانونية ضد إيران إحدى الدول الأعضاء في البريكس، والتطورات الأخيرة لأزمة غزة والتوترات بين الولايات المتحدة والصين. ويهدف إلى تعزيز التعاون بين دول البريكس وتحقيق أهداف التنمية المشتركة.
ومع تمثيل دول البريكس لأكثر من 40% من سكان العالم وتوقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي المماثل بحلول عام 2030، ستختبر القمة جدوى مبادرات مثل بنك التنمية الجديد وعملة البريكس المقترحة التي تهدف إلى إلغاء الدولار. وسيعتمد النجاح على قدرة الكتلة على إدارة الانقسامات الداخلية وتقديم استجابة موحدة للتحديات العالمية.
جدول أعمال القمة التي تستمر يومين
ترفض مسودة بيان البريكس بشدة الممارسات التجارية الأحادية الجانب، لا سيما تلك التي اتبعتها رئاسة ترامب، مثل التعريفات الجمركية في إطار أجندة ”أمريكا أولاً“. فقد أضرت هذه الممارسات بالدول النامية وهددت استقرار التجارة العالمية. وترى دول البريكس التي تدعم التجارة الحرة والتعددية أن هذه الإجراءات تضر بمصالحها. وينتقد البيان أيضًا العقوبات الاقتصادية، التي غالبًا ما تستخدمها إدارة ترامب، مسلطًا الضوء على آثارها السلبية على المواطنين العاديين. وتدعو دول البريكس إلى حل النزاعات من خلال الدبلوماسية بدلاً من الضغط الاقتصادي.
وقد انتقد قادة دول بريكس الأعمال العسكرية ضد إيران والوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يدل على موقف مختلف عن نهج ترامب تجاه الشرق الأوسط. فقد اتخذ ترامب قرارات أحادية الجانب، مثل الخروج من الاتفاق النووي الإيراني والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي واجه ردود فعل عالمية عنيفة. وعلى النقيض من ذلك، تروّج مجموعة بريكس لمقاربة متوازنة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتدعو إلى حل الدولتين والقانون الدولي. يسلط قلقهم بشأن زيادة الإنفاق العسكري الضوء على المخاوف بشأن العسكرة العالمية التي تحول الموارد عن قضايا مهمة مثل الفقر وتغير المناخ والصحة العامة في خضم الصراعات المستمرة في جميع أنحاء العالم.
وتسلط قمة بريكس الضوء على دعم اتفاقية باريس للمناخ، على النقيض من انسحاب ترامب منها خلال فترة رئاسته. وقد انتُقد هذا القرار باعتباره ضارًا بجهود المناخ العالمي. ولا تزال دول البريكس ملتزمة بالاتفاقية، مع العلم أن تغير المناخ يشكل تهديدًا كبيرًا. وتدعو مسودة البيان أيضًا إلى حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي، مما يعكس سعيها إلى التعاون الدولي لمواجهة التحديات الأخلاقية والأمنية. ويعارض هذا النهج سياسات ترامب القومية التي فضلت الإجراءات الأحادية على التعاون.
تُظهر مسودة بيان دول البريكس اختلافًا جوهريًا في الفلسفة مقارنةً بنهج ترامب في العلاقات الدولية. فبينما ركز ترامب على عقلية ”المحصلة الصفرية“، حيث مكسب دولة ما خسارة دولة أخرى، فإن دول البريكس تروج لنظام عالمي أكثر شمولاً يقدّر التعاون والمنفعة المتبادلة. وهي تدعم المؤسسات متعددة الأطراف وتؤكد على التنمية المستدامة لمعالجة القضايا العالمية معًا. ويتطرق البيان إلى مسائل مهمة مثل التجارة والأمن وتغير المناخ، مسلطًا الضوء على الترابط بين الدول. تشير قمة البريكس إلى موقف أقوى من الاقتصادات الناشئة التي تسعى إلى تحدي النظام العالمي الحالي من أجل نظام أكثر إنصافًا. ويشير تركيزهم على تعددية الأطراف إلى التزامهم بالحوار والتعاون في الحوكمة العالمية التي تشهد استقطابًا متزايدًا. تهدف دول البريكس إلى التأثير على القضايا الرئيسية في العلاقات الدولية للمضي قدمًا.
قد تعقد البرازيل والهند بعض الشيء إجماع دول البريكس
لدى البرازيل والهند، وهما عضوان رئيسيان في مجموعة بريكس، استراتيجيات مختلفة فيما يتعلق بالمبادرات الاقتصادية العالمية، وخاصة مبادرة الحزام والطريق الصينية والإطار الاقتصادي لدول المحيطين الهندي والهادئ بقيادة الولايات المتحدة. وقد اتبعت البرازيل، بقيادة الرئيس لولا دا سيلفا، نهجاً حذراً تجاه مبادرة الحزام والطريق، وركزت بدلاً من ذلك على علاقتها مع الولايات المتحدة. في قمة مجموعة العشرين، هدفت البرازيل إلى تجنب النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة، مما يعكس الرغبة في الاستقرار الاقتصادي مع الحفاظ على علاقة دبلوماسية مع الصين.
وفي المقابل، تهدف الهند إلى مواجهة نفوذ الصين من خلال مبادرة المحيطين الهندي والهادئ من خلال التحالف مع المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وأستراليا. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى وضع الهند كقوة إقليمية، ولكنها تخاطر بإبعاد دول البريكس الأخرى، وخاصة الصين وروسيا. ويمكن أن يحد اعتماد الهند على الولايات المتحدة من قوتها التفاوضية على الصعيد الدولي. وبالتالي، فإن البرازيل تعطي الأولوية للاستقرار، بينما تسعى الهند إلى الارتقاء بدورها العالمي، وتواجه عزلة محتملة داخل البريكس. بالإضافة إلى ذلك، كانت الهند في مواجهة القضية الأساسية المتمثلة في إلغاء الدولرة.
ولمواجهة هذا التحدي، يجب أن تستفيد بريكس من نقاط قوتها الفريدة كمنصة للحوار والتعاون، وتعزيز المناقشات المفتوحة لمعالجة المخاوف الاقتصادية والاستراتيجية لأعضائها. ومن خلال التأكيد على التزام التكتل بتعددية الأطراف وقدرته على تقديم أطر بديلة للتجارة والاستثمار، يمكن لمجموعة بريكس أن تخلق بيئة أكثر شمولاً ومرونة تستوعب المصالح المتنوعة للبرازيل والهند مع تعزيز دورها كثقل موازن للقوى العالمية المهيمنة. وعلاوة على ذلك، ينبغي معالجة أي فراغ يمكن أن يحدث في مستقبل البريكس من خلال زيادة الدول الشريكة التي تشمل هذه المرة كازاخستان ونيجيريا وفيتنام وتايلاند.
مطلوب المزيد من التنسيق الاحترافي وسط تحالفات النظام العالمي الجديد
يمثل الترابط بين مجموعة بريكس بلس ومبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي للتعاون فرصة فريدة لمعالجة الثغرات داخل هذه التحالفات مع تعزيز المزيد من التماسك الجيوسياسي والاقتصادي. يمكن لهذه المنصات الثلاث، التي تضم كل منها دولاً أعضاء متداخلة وأهدافاً متكاملة، أن تخفف مجتمعة من التحديات التي قد تكافح التحالفات الفردية لحلها بمعزل عن بعضها البعض. على سبيل المثال، يمكن لمجموعة بريكس، بتركيزها على التعاون الاقتصادي بين الاقتصادات الناشئة، الاستفادة من براعة تطوير البنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق والأطر الأمنية لمنظمة شنغهاي للتعاون، لخلق نهج أكثر شمولية للاستقرار الإقليمي. وبالمثل، يمكن أن يساعد التكامل بين هذه التحالفات على سد الفجوات بين الدول الأعضاء، مما يضمن إعطاء الأولوية للمصالح الجماعية للتجمع على النزاعات الثنائية.
ويكتسب هذا التآزر الاستراتيجي أهمية خاصة في سياق ديناميكيات القوة العالمية، حيث يمكن تجاوز الخلاف بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وإيلون ماسك، والأخير شخصية محورية في مجال الابتكار التكنولوجي والأعمال التجارية العالمية، بشكل استراتيجي. ومن خلال توسيع نطاق المبادرات الدبلوماسية مع ماسك، لا سيما بالنظر إلى علاقاته التجارية المتنامية مع الصين، بما في ذلك إنشاء مصانع تسلا جيجا-فاكتوريز في شنغهاي، يمكن لدول البريكس ومبادرة الحزام والطريق والدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون تسخير نفوذه لتسريع التقدم التكنولوجي والتكامل الاقتصادي. ومثل هذه الخطوة لن تؤدي فقط إلى موازنة التوترات الجيوسياسية التي تفاقمت بسبب الخلاف بين ترامب وموسك، بل ستضع هذه التحالفات في طليعة سباق الابتكار العالمي. ومن خلال القيام بذلك، يمكن لأطر بريكس بلس ومبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي للتعاون أن تثبت قدرتها على التكيف مع الديناميكيات العالمية المتطورة، مما يضمن أهميتها في نظام دولي سريع التغير.
إمكانية توفير البدائل في بريكس بلس
يمثل مفهوم إمكانية توفير البدائل، أو تطوير بدائل قوية ومستقلة في القطاعات الحيوية، التحدي الأكثر محورية الذي يواجه تحالف بريكس بلس، وهو تجمع يسعى إلى توسيع نطاق نفوذه إلى ما وراء الدول الأعضاء الحالية. ففي عالم يزداد ترابطاً ولكن مجزأ في الوقت نفسه، تواجه دول البريكس – التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا – حتمية مزدوجة: الحد من اعتمادها على الأنظمة التي يهيمن عليها الغرب في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والسياسة النقدية والمالية ووسائل التواصل الاجتماعي ومراكز الفكر وإنتاج المعرفة، مع تعزيز الاعتماد على الذات والابتكار في الوقت نفسه.
وهذه ليست مجرد مسألة استراتيجية اقتصادية أو سياسية بل هي حتمية وجودية بالنظر إلى السباق التكنولوجي المتسارع وتزايد تسليح الاعتماد المتبادل في الحوكمة العالمية. على سبيل المثال، تشكل هيمنة المنصات الغربية في وسائل التواصل الاجتماعي والمدفوعات الرقمية، مثل فيسبوك وفيزا، مخاطر كبيرة على سيادة دول البريكس وأمنها، كما يتضح من الاستبعاد الأحادي للمؤسسات المالية الروسية من شبكة سويفت في عام 2022، مما أدى إلى تعطيل التدفقات التجارية وأكد على نقاط الضعف في الاعتماد على الأنظمة الخارجية.
وبالمثل، فإن تركيز أبحاث الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا يهدد بتفاقم الفجوة التكنولوجية، حيث تشير الدراسات إلى أنه من المتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى 190 مليار دولار بحلول عام 2025، حيث تستحوذ الولايات المتحدة والصين وحدهما على أكثر من 70% من حصة السوق. وللتخفيف من هذه المخاطر، يجب على دول البريكس الاستثمار في البدائل المحلية، مثل تطوير أنظمة التشغيل وشبكات الدفع وأطر الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
وعلاوة على ذلك، فإن توسيع مجموعة بريكس بلس لتشمل أعضاء جدد من دول الجنوب يمثل فرصة لإنشاء نظام دولي أكثر إنصافًا ومرونة، ولكن هذا سيتطلب قيادة قوية ومساعدة تقنية من الاقتصادات الأكثر تقدمًا داخل المجموعة، وخاصة الصين وروسيا. على سبيل المثال، فإن براعة الصين التكنولوجية، التي تتجلى في ريادتها في مجال الاتصالات من الجيل الخامس 5G واستثمارها 150 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025، تضعها في موقع الريادة الطبيعية في توجيه أعضاء البريكس الآخرين في تطوير بنيتهم التحتية الرقمية الخاصة بهم.
وبالمثل، فإن تجربة روسيا في بناء منصات إعلامية مستقلة، مثل قناة RT ووكالة سبوتنيك، وكذلك الصين من خلال وكالة شنخوا للاخبار، تقدم دروساً قيّمة في مواجهة هيمنة الروايات الغربية على وسائل الإعلام العالمية. ومن خلال تعزيز التعاون ومشاركة المعرفة، يمكن لمجموعة بريكس بلس إنشاء شبكة من البدائل المستقلة التي لا تقلل من الاعتماد على الأنظمة الغربية فحسب، بل تمكّن الدول النامية من تأكيد نفوذها على الساحة العالمية.
وختاما، تمثل قمة بريكس السابعة عشرة في ريو دي جانيرو لحظة مهمة للتباين بين الأولويات الجماعية للتكتل والسياسات المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب. فانتقاد مسودة البيان الختامي للتدابير التجارية الأحادية الجانب، والضربات العسكرية ضد إيران، والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب تركيزه على التعددية والعمل المناخي والحوكمة العالمية، يؤكد رؤية بريكس لنظام عالمي أكثر تعاونًا وإنصافًا. ومع استمرار تفاقم التحديات العالمية مثل التغير المناخي وانعدام الأمن وعدم المساواة الاقتصادية، فإن دعوة تكتل بريكس إلى العمل الجماعي والحلول متعددة الأطراف تقدم بديلاً مقنعاً للمقاربات القومية والأحادية التي هيمنت على العلاقات الدولية مؤخراً. ومن المرجح أن يكون لنتائج القمة صدى يتجاوز القضايا الفورية التي تم تناولها، مما يجعل بريكس لاعباً رئيسياً في الجهود المستمرة لإعادة تشكيل مشهد الحوكمة العالمية بطريقة تعكس مصالح وتطلعات الاقتصادات الناشئة. وسيحدد نجاح ”بريكس بلاس“ في التصدي لتحدي إمكانية توفير البدائل في مواجهة التحدي المتمثل في قدرته على إعادة تشكيل قواعد اللعبة في القرن الحادي والعشرين وإنشاء نظام عالمي متعدد الأقطاب.



