رئيس التحريرسلايدر

من عرفات إلى الحياة.. الميلاد في يومٍ لهُ شَأنْ!

حياة الشاعر أشرف أبو عريف بين القوافى!

Listen to this article

الفصل الأول.. من عرفات إلى الحياة.. الميلاد في يومٍ لهُ شَأنْ

وُلدتُ…
والمئذنةُ تَشهقُ بالفجرِ،
صوتُ “اللهُ أكبر”
يُرتّلُ اسمي في غيبِ الغيبِ،
قبل أن تتهجّى الأرضُ خطاي.

في يومٍ
تُغسَلُ فيهِ القلوبُ بعَرَقِ الدعاءِ،
وتلتفُّ الأرواحُ حول جبلِ العرفانْ،
جئتُ أنا…
الأولُ من رحمِ الحاجةِ “نفيسة”،
وفي قلبِها،
آيةُ صبرٍ، ومحرابُ وجدانْ.

مانجو…
توتٌ…
وليمونٌ يُطرِبُ أنفاسَ المكانْ،
خرجتُ إلى ضوءٍ يضوعُ برائحةِ المواسم،
كأنَّ الطبيعةَ نفسُها
تباركُ مولدي بالألوانْ.

يا يومَ عرفة،
يا نداءً نزلَ مع الأذانْ،
فيكَ بدأتُ الرحلةَ الأولى
من العرفاتِ إلى الحياةِ…
وفي جبيني
ظلُّ السجودِ، ونورُ الغفرانْ.

***

*.. بالعامية!

الفصل الأول.. من عرفات للحياة.. يوم ما اتولدت… كان ليه مقامْ

أنا جيت للدنيا
وأدان الفَجر لسه بيِعلّي في السما
وصوت “الله أكبر” بيشقّ الهوا
والمآذن ساجدة،
والمَلَكة حوالين أمّي،
بتقول يا رب… سَهلها!

في يوم الوقفة…
يوم عرفات
يوم ما القلوب بتسيب الدنيا وتطوفْ،
في حضن أمّي “نفيسة”،
اللي كانت بتدعِي
وأنا جوّاها…
والنُّور بيسبِقني، من غير ما أشوف.

المانجا كانت سايبة ريحتها
والتوت بينده من الشُباك،
والليمون فايح في الحتّة
كأنّ الدُّنيا بتوزّع أفراحْ.

أنا أول واحد فـ إخواتي
وجيت على ميعاد،
مش يوم عادي…
ده يوم فُرصه تتولد فيّه العباده
واللي يتولد فيه…
بيبقى عمره فيه سَندْ،
وفي وشّه سُجود،
وفي قلبه عهدْ.

خِتامها حكمة – من ريح الزمن

واللي اتولد يوم وقفة،
لازم يكون واقف دايمًا فـ وِشّ الهوا،
ما يتهزش…
زي النخل العالي فـ أرض الهنا.

رزقُه في السما…
وخُطوته فـ الأرض متوزونة بميزانْ،
يعرف يعني إيه دعوة أم،
ويفهم يعني إيه صبر رجّالْ.

العُمر ما هوّاش عدد أيامْ،
ده العُمر طَيف بيمرّ
ويِسيب أثر في قلوب الناس،
ولاّ يضيع زي الهوا، من غير ما يتقال…

وعشان كده،
أنا ماشي…
وشايل عرفاتي في قلبي،
وبادعي أكون دايمًا…
سَتر وهنَا لأي مكان.

***

الفصل الأول.. يا جريدَ النخلِ، مِلْ… ردّ السلامْ

يا جريدَ النخلِ، مِلْ… ردّ السلامْ
طفلُنا في القمّةِ العليا يُقَامْ
يتسلّقْ.. قلبُهُ ضوءٌ ووجدٌ
لا يُبالي بثعبانٍ انزوى في الغَمَامْ

بلحةٌ رطبةٌ تُغري الصغارْ
وصدى الضحكِ على النهرِ يُدارْ
حينَ خرَّ الثعبُ في الصمتِ انسحاباً
ابتلعَ الطفلُ رِيَقَهْ… ثمّ انحدارْ

لم يَهِبْ، لم يتراجعْ في الدروبْ
عادَ للنخلِ، وفي الكفِّ الطيوبْ
يهدِي الأصحابَ تمراً ناضجاً
فيه من طعمِ الحكاياتِ الذنوبْ

شَوْيُ ذُرةٍ… ومصُّ القَصَبِ الحُلْوِ طروبْ
وصُيودٌ من ضفافِ النهرِ تلويها القلوبْ
وغداءٌ تحتَ ظلِّ الزيزفونْ
ريحُهُ تكفي… ولا نَقصٌ يَكونْ

يا جريدَ النخلِ، مِلْ… ردّ السلامْ
فالفتى صارَ رجُلاً… من كرامْ
صاغَهُ الريفُ اكتفاءً، وبهاءً،
ونقاهٌ بينَ أنسامِ الغمامْ

***

*.. وبالعامية!

يا جريد النخل العالي… ميل رد السلام

يا جريد النخل العالي
ميل ردّ السلام
ده وِلد في خامسة عمره
تسلق فوق بسلام

شايف البلحة بتنادي
وهو قلبه مش جبان
وهو فوق، طلعله تعبان
سكن وسط الجريد من زمان

سكت الوِلد وما نطقشي
ساب التعبان ينزل لوحده
بلع ريقه وقال في نفسه:
“الصبر مفتاح، والستر رحمة من ربه”

نزل بعديه وهو ثابت
ما خافشي، ولا فكر يسيب
وفي تاني يوم، رجع تاني
يتسلق النخل من غير تعب أو عيب

يهدي الصحبة تمر بلدي
ويشوي الذرة ع الجمر
ويغنّي وهو بيقصب
ضحكته تنور العمر

وفي العصر يروح على الترعة
يرمي السنارة ويستنى
والسمكة ترقص في إيده
والفرحة ماليه قلبه

عشاهم سمك مشوي
على نار فيها الدفا
وأمه تنادي من بعيد:
“كفاية لعب، تعالوا بقى!”

(الختام – حكمة)
اللي تربّى وسط نخيل
قلبه دايمًا فيه الدليل
عارف معنى الشبع من قُوت
ولو فُقِد الخبز، عنده حُب يْكُوت

اللي صاد السمك بإيده
واتدفّى ع نار الجدود
ما يْميلش يوم في وش الدنيا
ولا ينحني مهما تسود

في الريف اتعلمنا العِشرة
والخير لو قل، نِقَسّمه
وفي حضن الأرض الطيبة
لقينا الكنز… مش فِ دهب نرسّمه

***

## **الفصل الثاني: الغيط… أولُ مسرحٍ للبطولة الطفولية**

الغيطُ كان مدرستي الأولى،

وسِرّي الأول، ومحرابَ الطفولةِ في الصباحِ وفي الأصائل.

ركبتُ البقرةَ والجاموسَة والحمارَ والجمل،

كأنّي فارسٌ

يمتشقُ الهواءَ، ويعبرُ الطينَ بلا ملامح.

تسلّقتُ التوتَ والخوخَ والنخلَ العالي،

وأطلقتُ نشيدي بين الجريدِ:

يا جريدَ النخلِ العالـي… مِلّ!

رُدَّ السلامْ…

فكنتُ المُنشِدَ الصغير،

الذي يُصافحُ السحابَ بصوتهِ العذبِ المقام.

روّادُ الطريقِ وقفوا مأخوذين،

بذاك الطفلِ… ابنِ خمسٍ،

يتدلّى بين السعفِ يجني الرُّطَب،

ويغني… والعصافيرُ تصغي!

سقطت حباتُ التوتِ من كفّي

في الترعة،

فاندلعتْ معركةٌ بهيجةٌ بين البطِّ والسمك،

من يسبقُ إلى قِطافِ الطفولةِ الطازجة؟

وكنت أغني…

وما زلت صغيرًا،

أُصغي للعندليب،

وأُردد خلفه كصدى ينافسُ الطير،

كأنّ الغيطَ كلّه مسرحٌ،

وأنا فيهِ البطلُ المُغنّي،

الذي علّمهُ النسيمُ كيف يكون!

***

*.. وبالعامية!

## **الغيط… أول مَسرَح للبطولة**

الغيط…

كان أول كُتّابْ

وأول دارْ،

وأول ساحة فيها اتعلّمت

إن الضهر العالي…

مش بس شمس

ده ضلّي كمان لما أختار.

ركبت البَقَرة…

والجاموسة فـ الممشى الطيني،

والحمار ساعة العصاري،

والجمل وقت الفَجر،

ولا مرّة خفت

ولا قلبي اتأخر عن المغامره…

ده أنا البطل الصغير

اللي صدره مفتوح للهوى والسما،

ولعيون الطير.

كنت بتسلّق التوت والخوخ،

والنخل العالي

وأغني فـ العالي:

يا جريد النخل… مِل،

ردّ السلامْ!

والناس تقول:

مين الواد ده؟!

طفل خمس سنين

بس فيه نَفَس المُغنيين،

وفي قلبه رِكّةْ…

وفي عينيه سُكونْ

وفي صوته وطنْ.

وقع التوت من إيدي في الترعة،

ولقيت البط والسمك

عاملين معركة!

مين ياخد الحبّة الأول؟

وأنا واقف أضحك،

زي واحد بيراقب فيلم

وهوّ البطل اللي كَتب سِيناريو اللعبه!

كنت أغنّي

وأنا لسه في أول سِن،

وأسمع للعندليب وهو بيغنى،

وأقول فـ سري:

أنا صوتي زَيّ الطير،

يمكن يوم أبقى مطرب،

والعصافير تردّ عليا بالتصفير…

***

الفصل الثالث: صدمةُ الحرمان… وحكمةُ القَدَرْ

أرادني أبي…
في الحقلِ فتىً،
يُلاعبُ الفأسَ،
ويزرعُ الحلمَ في الطينِ صامتًا.

قال:
“حمادةُ الأَبْيَضُ أولى بالتعليم،
أنتَ لك الأرض،
والكَتبُ ليست لأولادِ الشمسْ!”

فاهتزَّ قلبي…
كغصنٍ نُزعتْ منه عصافيرُ الأمل،
وسقطتْ أولى صدماتِ العمر
على جبيني النقي.

لكنَّ القَدَرَ…
لا يُسلّمُ قلوبَ الأطفالِ لمقصلةِ الظلمْ!

تَعرضَ والدي لخديعةٍ في عقدٍ
لأنّه لا يقرأ،
ولا يكتبْ.
فوقفَ عمّي، وقال:
“امتحانٌ يفصلُ بينكما.
من ينجحُ… يبقَ في المدرسة،
ومن يرسب…
فالغيطِ مساره ومواسمِ التعب.”

وهنا…
بدأتُ الحكايةْ.
بدأتُ أؤمن أن الورقَ قد ينقذُ قلبًا،
وأنَّ السطورَ قد تزرعُ أعمارًا
في ترابِ المعاني.

كانت البداية…
وكانت أولُ مرَّةٍ
أشعرُ أنني أستحقُّ أن أحلُم.

***

.. وبالعامية!

## **الصدمة… وحكمة ربنا**

### *الفصل التالت من الحكاية*

قال أبوي:

“إنتَ مكانك في الغيط،

والتعليم لحمادة…

اللي لونه أبيض ومفيهوش شقاوة!”

أنا كنت صغير أسمر،

بس قلبي ساعتها اتخضّ،

زي فرخة شافت سكينة

وهيّ لسه في أول العِش.

ليه؟

هو التعليم ليه لون؟

وليه الحلم يتوزّع بين أبيض وأسود؟

أنا سكت،

بس وجعي كان بيزعّق جوايا،

وصوتي بيجري ورا كلمة: ليه يا با؟!

لحد ما حصلت الحكاية…

اتنصب على أبويا،

ومضى على ورقة مش عارف يقراها

ولا يكتب منها اسمه!

ساعتها جه عمّي،

زي الفَرَج اللي بييجي بعد الغيم،

وقال:

“امتحنوا العيال،

واللي ينجح يكمل مدرسة،

واللي يرسب يرجع للغيط والجواميس”

وقعدت أنا وكتاب الحظ فـ حجر واحد،

ذاكرت وعيوني بتولع نار،

مش بس عشان أنجح،

عشان أثبت

إني ما كنتش أقلّ،

ولا حلمي أرَخَص من حلم أخويا!

 

ومن يومها،

وأنا عرفت إن اللي بيِكتِب

ما يتضحكش عليه،

واللي يقرا…

يشوف أبعد من حدود الطين.

***

## **الفصل الرابع: رحلةُ التعليمِ الأولى**

### *بينَ المِرْيَلَةِ… وأعوادِ الذُرَةْ*

ثلاثةُ كيلومتراتٍ

نقطعُها في الصباحِ والمساء،

حفاةً أحيانًا،

نُطاردُ العلمَ كما يُطارِدُ العصفورُ نسمةَ الهواء.

المِرْيَلَةُ باهتةُ اللون،

والحقيبةُ من شِكايرِ السماد،

والكتبُ تُحزمُ بأشرطةٍ من قماشٍ،

تفوحُ منها رائحةُ الحقلِ والعزم.

ولمّا سُئلنا عن العدِّ والجمع،

أخرجنا أعوادَ الذرةِ من الجيوب،

كأنَّها أناملُ الجدّات،

تُعلّمُنا الأرقامَ بلغةِ الزرعِ والمطر.

لم يكنْ هناك لوحٌ ذكي،

ولا أقلامٌ فاخرة…

كان هناك عقلٌ يُقاوم،

وقلبٌ يتّقد،

وحلمٌ يحفرُ طريقهُ في الطين.

البيئةُ كانت منهجَنا،

والسَّماءُ سقفَ مدرستنا.

والنجاحُ؟

كان ممرًا ضيقًا

يفصلنا عن مصيرٍ مكتوبٍ لمن فشلوا:

“تعليمُ الاتحادِ الاشتراكي”

ومعاركُ الطباشيرِ الباهتة.

لكنَّا كنّا نعرفُ…

أن العلمَ مركبُ النجاة،

وأنَّ من يتعلّمْ،

لا يعودُ إلى الغيطِ عبدًا للجهل،

بل سيعودُ يومًا… معلّمًا للنور!

***

.. وبالعامية!

## **رحلة التعليم… بين المريلة وعيدان الدُّرة**

### *الفصل الرابع من الحكاية*

كنا نِمشي تلاتة كيلو رايح،

وتلاتة راجع،

على رجلينا،

والطين ماسك في الجلابية

زي طفل ماسك فـ حضن أمّه.

المريلة؟

قديمة ومغسولة ميت مرة،

والشنطة؟

شِكارة سماد… مش شنطة ماركة،

نخيطها بإيدينا

ونعلّقها على ضهرنا كأنها كنزْ!

والكتب؟

مربوطه بحزام قماش،

ريحته فيها تراب الغيط،

وسطورها تشهد

إنا كنت باحارب عشان أحلم.

أدوات الحساب؟

ولا قلم ولا آلة،

بس معايا عيدان الدُّرة،

أعدّ بيها وأجمّع

وأرسم المجهول على الأرض فـ طابور الصُبح!

كنا بنسمّيها مدرسة،

بس هي كانت عالمْ،

فيه الطموح بيجري حافي،

وبيخبط على باب الفرصة.

كنا عارفين

إن اللي ينجح،

يعدي…

واللي يرسب،

هيرجع يتعلم في “مدارس الاتحاد الاشتراكي”

للفاشلين!

يقولوله:

“اقعد هنا…

ارسم حلمك بالطباشير المكسورة.”

بس إحنا قلنا لأ،

وقلنا:

العِلم سلاح،

واللي يتسلّح بيه

يرجع للغيط أستاذ،

مش خدام!

***

الفصل الخامس: نبوءةُ الأساتذة… وبدايةُ الاختيار

في مَرافِقِ الدرسِ الأولى
نُقِشَتْ في قلبي ملامحُ شخصيتي،
لا بالحِبرِ،
بل بكلماتٍ من نور،
وحبٍّ يُشبهُ صلاةَ الأمهات.

أحمد عرفة
كان المُعلّمَ الكامل،
يشرحُ وكأنَّ الكتابَ يتنفس،
يُربّي كأنّه يبذرُ في الأرضِ وعيًا،
ما نَسيتُهُ يومًا…
هو النبعُ الأوّل،
والظلُّ الذي رافقَني حين لم تكن لي ظلال.

خيري
رسّامُ المعنى،
علّمني كيف يَنبضُ الخطُّ الكوفي،
وكيف تُزهرُ الزخارفُ في زوايا الهوية.
منهُ تَفتّح ذوقي،
وصارت عيني تقرأُ الجمالَ في النقوش،
وفي الملامحِ الصامتة.

مرزوق
ناداني وأنا بعدُ في الإعدادية،
صوتهُ صدًى ما زال يسكنني:
“أنتَ لقسمِ الإنجليزي في آداب عين شمس!”
وكان كأنه يرى قَدَري،
قبل أن أنسجهُ أنا.

رمضان جمال
أستاذ الجبر والهندسة،
كان أبًا حين يغيبُ الأب،
يصمتُ حين نُخطئ،
لكنه يعلّم بالصبرِ ما لا تقدرُ عليه المعادلات.

شفيق
ذاك الأخصائي الذي
علّمنا أن الرأي ليس صَخرة،
وأن الآخر ليس عدوًّا…
بل رفيق حوار،
فيه تُبنى القيم.

هؤلاء…
ليسوا مجرّدَ أساتذة،
بل أنبياءُ من نورٍ وتربية،
نبّهوني إلى أن الاختيار ليس صدفة،
وأنّ الطريقَ يُمهّدُه مَن يراكَ
وأنتَ لم ترَ نفسكَ بعد.

***

*.. وبالعامية!

## **نُبُوءَة المُدرّسين… وبداية السِكة**

### *الفصل الخامس من الحكاية*

في أول فُصولي،

كان فيه ناس شبه السَما…

ما كنوش بس مُدرّسين،

دول كانوا نُوَر بتفتح لي الطريق.

**أحمد عرفة**،

اللي عمره ما قال كلمة إلا وفيها خير،

كان مُعلّم من طينة غير،

شارح، مربّي، وسَند

ما نسيتش فضله،

ولا هنسى يوم قالّي:

“العِلم مش بس شَرح… ده بناء بني آدم.”

**خيري**… أستاذ الرسم،

اللي حوّل الخط الكوفي لحدوتة،

وعلّمني الزخرفة مش بس زينة…

دي ذوق،

وشخصية بتِتشَكّل فـ سكّة العين والقلب.

**مرزوق**؟

آه يا مرزوق!

كنت فـ الإعدادي،

لقيته بيقوللي:

“إنتَ مكانك في إنجليزي آداب عين شمس!”

كأنّه شاف اللي ما شفتوش،

ونطق باسمي قبل ما الزمن يناديني بيه.

**رمضان جمال**،

بتاع الجبر والهندسة،

كان أب مش أستاذ،

وقت الغلط ما يزعقش،

لكن يبُصّ في عينيك…

تتعلّم من النظرة أكتر من السُبّورة!

**شفيق**، الأخصائي،

اللي كان بيزرع فينا

إن الاختلاف مش خِناق،

وإن “أنا وأنت” ممكن نكون إحنا،

لو بس سمعنا بعض بصدق.

دول…

ماكنوش بس ناس بيدّوا دروس،

دول كانوا بيشكّلوا فينا ملامحنا،

وبيفكّرونا إن الاختيار له ملامح،

وإن اللي شافك وأنت صغير

ممكن يكون سبب في إنك تكبر.

***

## **الفصل السادس: الجامعة… وقرارُ المصير**

### *وصايا الأساتذة، وبوْحُ القلب الفقير*

في عامِ الحَسم،

في ثانويةِ البوحِ والمجهول،

كرّر الأستاذُ **يسري عبد الله** نبوءَةَ **مرزوق**:

“مكانُك في آدابِ عينِ شمس،

قسمُ اللغةِ الإنجليزيّة.”

كأنّهما اتّفقا،

على أن يرسماني قبل أن أرى نفسي مرآةً واضحة.

دخلتُ الجامعةَ عام 1984،

وكنتُ أرجو **قسمَ الصحافة**،

ظننتُه المنبرَ الذي يناسبُ طموحى وجرأتي.

فتّشتُ عنه فلم أجد له أثرًا…

لا لائحة، لا بابًا،

كأنّه حلمٌ خَجِل من لقائي.

فعدتُ إلى الوصية،

إلى صوتِ مَن رآني قبل أن أرى،

واخترتُ الإنجليزية،

لغةً تُفتح بها نوافذ،

ويُسافر بها القلبُ قبل الجسد.

في الجامعة،

وقعتُ في الحبّ…

مراتٍ ثلاث، وربما أكثر،

لكن العين بصيرة واليدَ قصيرة،

والحَالُ أضيق من أن أحملَ وردًا أو وعدًا،

فلم أُكمِل الطريق،

ولا اكتملت القصائد.

كنتُ أكتبُ بلا ورق،

وأحبُّ بلا هدية،

وأنسحبُ حينَ لا أستطيعُ أن أشتري ظلَّ وردة.

لكنني كبرتُ،

وفي قلبي عرفْتُ:

أن القرار الذي لا يصنعه الحب…

يصنعه الإيمان.

***

وبالعامية!

الجامعة… واختيارات القدر

الفصل السادس من الحكاية

في تالتة ثانوي،
رجع يسري عبد الله يردّد نفس الكلام
اللي قاله مرزوق زمان:
“إنتَ مكانك في آداب عين شمس،
قسم الإنجليزي…
مش هتلاقي نفسك غير هناك!”

أنا كنت بحلم أدخل صُحافة،
أتكلم، أكتب، أقول اللي ما يتقالش،
دخلت الكلية سنة أربعة وتمانين،
دورت على قسم الصحافة…
ما لقيتوش!
كأن الحُلم استخبّى
ولا كتبش اسمه على باب القسم.

ساعتها افتكرت كلام الأساتذة،
اللي شافوني وأنا لسه مش شايفني،
وقلت:
“هوّ ده الطريق…
اللي اتفتح قبلي بدعوة وصدق.”

دخلت إنجليزي،
وكل كلمة كنت باقراها
كانت سلّم
أطلَع عليه من أرض الطين
لسما الحلم.

في الجامعة؟
وقعت في الحب!
مرات كتير…
بس دايمًا العين بصيرة والإيد قصيرة،
والحِيل على قدّها،
كنت أحب من غير ورد،
ومن غير ما أقدر أجيب شوكولاتة حتى!

كنت أكتب مشاعر
وأخبيها في الدرج،
وأسيب الحكاية تسافر لوحدها
عشان أنا ما قدرتش أكمّل السكة.

بس مع كل دمعة فشل،
كنت أعرف
إن ربنا بيختارلي،
وإن القرار الحقيقي
مش دايمًا بييجي من القلب بس،
ساعات بييجي من الحكمة والوقت.

***

الفصل السابع: دمعةٌ في ساحةِ الجامعة

حين وقفَ أبي… فخورًا بي للمرة الأولى

أصررتُ أن أصطحب أبي،
بجلبابِهِ القرويِّ القديم،
إلى حرمِ الجامعة،
حيثُ بُنيَ اسمي بالحروفِ والانتظار.

دخلنا معًا،
أنا بخطوتي الواثقة،
وهوَ بدموعٍ تختبئُ في زوايا العين،
يخجلُ من حرمانى من التعليم زمان،
وأنا أفخرُ به كأنني أحملُ مجدًا على كتفي.

كان الطُلابُ يُحدّقون،
بين من يبتسمُ،
ومن يتساءلُ عن هذا الشيخِ الذي يطأ البلاطَ كأنه يمشي على الغيم،
وأنا بجانبه… لا ابنًا فقط، بل صفحةً من تاريخه.

وفي يومٍ،
ظهر اسمي على شاشةِ التلفاز،
وفي جريدةٍ رسمية،
مقرونًا باسمه كما أراد قلبي دومًا.

حينها سألهم:
“من الكاتب؟ من هذا؟”
فقالوا:
أشرف أبو عريف!

فأجاب وعيناهُ تلمعان:
“دا ابني… أنا أبوه!”
وكأنّه لأول مرةٍ
يعترفُ أمامَ العالم
بأنني كنتُ القدر الصحيح…
ولو تأخّر الاعتراف،
فالدهشةُ أجملُ حين تأتي في وقتِ العيونِ الممتلئة.

***

.. وبالعامية!

## **دمعة في ساحة الجامعة**

### *الفصل السابع من الحكاية*

قلت لازم أبوي ييجي معايا الجامعة،

بالجلباب اللي عمره ما بدّله،

لا بدلة،

ولا كرافاتة…

هوّ هوّ، زي ما هوّ.

دخلنا الحرم سوا،

الناس بتبُصّ،

طلبة لابسة جينز،

وأبوي بالجلبية،

بس كان رافع راسه،

وهو ماشي جنبي

كأنه تايه وسط حلم كبير…

بس فرحان.

دموعه كانت مليا عنيه،

بس كان بيخبيها،

وأنا شايفها…

زي مية نازلة من طين العمر،

بس فيها نور.

ساعتها حسيت

إني مش ماشي لوحدي،

ده أنا شايل معايا فلاح،

ضهره تقوّس من الشقى،

لكن قلبه عمره ما انكسر.

وبعدها…

يوم ما شافني في التليفزيون،

واسمه جنب اسمي في الجرنال،

قال بصوت مليان فخر:

“مين الكاتب؟”

قالوله:

**أشرف أبو عريف!**

ابتسم، وقالها بصوت عالي:

“ده ابني… أنا أبوه!”

وكأنه أخيرًا…

افتكر إنه صدّق

إن الزرعة اللي زرعها

طلعت نُور مش بس غِلّة!

 ***

الفصل الثامن: الطبشورة والمانشيت

حين التقى الحرفُ بالتحليل، والدرسُ بالعناوين

لم أكتفِ بأن أكونَ
معلّمًا للغةٍ،
أو صَوتًا في زاويةِ الجريدة.

رفضتُ أن أختارَ نصفَ نفسي،
فقررتُ أن أكونَ الاثنين معًا…
الطبشورة والمنشيت،
الحصةُ والعنوان،
المِسطرةُ والقلمُ الجريء.

في الصفِّ،
كنتُ أُدرّسُ الإنجليزية
كما تُغنّى الحكايات،
لكن بعينِ الصحفي…
أُحلّل، وأربط، وأُنطقُ الجملةَ في سياقِ العالِم،
لا في سَجن القواعد.

وفي الجريدة،
لم أكتبْ فقط،
بل كنتُ أُعلّم من يقرؤون،
أضعُ المانشيتَ لا كصرخة،
بل كدرسٍ يسبقُه وعي،
وتتبعه فكرة.

الإنجليزية منحتني مفتاحَ التحليلِ العالمي،
والصحافة منحتني فهْم الإنسانِ المحلي.

ومَن جمع بينهما،
لا يُدرّسُ لغة،
بل يُدرّسُ فكرًا.

***

*.. وبالعامية!

الطبشورة والمانشيت

الفصل التامن من الحكاية

ما اكتفيتش إني أكون مُدرّس إنجليزي،
ولا رضيت أكون صحفي وبس.
قلت:
“ليه لأ؟
ما أكونش الاتنين مع بعض،
وأخلّي كل واحد يخدم التاني؟”

الطبشورة فـ إيدي
بس عيني شايفة الدنيا،
مش بس السبّورة!
بدرّس الإنجليزي
بس بعقل الصحفي…
أربط الكلام بالعالم،
وأخلي الطالب يفهم الجملة
كأنها خبر عاجل.

ولما أمسك القلم فـ الجرنال،
ما بكتبش مانشيت والسلام،
بكتب درس،
وكل سطر فيه فكرة،
وكل كلمة وراها معنى متشرحش في كتاب.

الإنجليزي خلاني أشوف العالم بعين مفتوحة،
والصحافة خلتني أدرّس بوعي وقلب صاحي.

أنا مش مدرس وبس،
ولا صحفي وخلاص،
أنا اللي جمّع بين السطر والعنوان،
واللي فهم
إن الكلمة ممكن تكون “شرح”
وممكن تكون “تغيير”.

***

خاتمة… لم تُغلق بعد

لأنّ الرسالة لا تعرف النهاية

أقتربُ من أربعةِ عقودٍ صحفيًا،
وأربعين سنة مربيًا معلماً،
وما زلتُ أحملُ الطبشورةَ كأنها سيف،
والقلمَ كأنهُ بوصلة.

كتبتُ… حين سكتَ البعض.
علّمتُ… حين تاهَ الطريق.
نطقتُ… والحقُّ كان يختبئُ خلفَ عناوينَ خجولة.
وصرختُ…
لأنّ بعضَ الصمتِ خيانة،
ولأنّ الحقيقةَ لا تُقالُ همسًا.

لكنني لا أقول: وصلتُ.
فالطريقُ ما زال يمتدّ،
والكلمةُ لم تكتمل،
والجيلُ الذي ينتظرُ لم يُولد بعد.

أنا سطرٌ مفتوح،
وصوتٌ لا يُغلق،
وسؤالٌ أبديٌّ عن دورِ الكلمة… في زمن الضجيج.

***

*.. وبالعامية!

الخاتمة… ولسّه المشوار ما خلصش

أنا صوت… مش بيعرف يسكت

قرّبت أكمل أربعين سنة صحفي،
وتلاتين سنة مربي ومُعلّم،
كتبت…
وساعات كتبت ودمّي بيغلي.
علّمت…
وكان قلبي في الحصة قبل الطبشورة.

اتكلمت…
وقت ما ناس كتير اختارت تسكُت.
وصرخت…
لما الحق كان بيتدفن تحت ورق،
وتقال عليه “مصلحة”.

بس برغم كل السنين دي…
ما بقولش خلصت،
ولا باعتبر إني وصلت.

لسّه عندي كلمة،
ولسّه فيا نبضة
عاوزة تطلّع معنى
ينوّر دماغ ولد صغير…
أو يحرّك ضمير واحد كبير!

أنا مش حكاية خالصة،
أنا باب لسه موارب،
أنا سؤال…
مين قال إن الكلمة مالهاش عُمر طويل؟

أنا ماشي،
بس صوتي سايب علامة،
واللي جاي…
يمكن يكون أحلى وأصدق
لو فيه ناس لسه بتكتب، وتعلّم، وتقول: لأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى