رئيس التحريرسلايدر

“عودة الأساطيل وبوابة المتوسط: زيارة بويوكادا تفتح صفحة جديدة في العلاقات المصرية التركية”

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

حين ترسو سفينة حربية تركية حديثة الصنع في ميناء الإسكندرية، محاطة بمراسم عسكرية واستقبال سياسي وديبلوماسي رفيع، فإن الأمر يتجاوز المجاملة البحرية التقليدية. إنه مشهد يحمل في طياته إشارات دبلوماسية، وحنينًا استراتيجيًا لعودة تركية محسوبة إلى الساحة المصرية بعد سنوات من الجفاء.

زيارة السفينة التركية “تي سي جي بويوكادا”، ثاني سفينة وطنية تُصنع بالكامل بإمكانات تركية، تمثل أكثر من مجرد عرض للقوة التكنولوجية والعسكرية. إنها رسالة سياسية تتكئ على الذاكرة المشتركة، وتتحرك في مساحات المصالح والمخاوف والتطلعات.

أولًا: مشهد الزيارة… الدلالات والأجواء

امتدت رحلة “بويوكادا” لثلاثة أشهر من ماليزيا عبر المحيط الهندي، لتتوقف في الإسكندرية قبل العودة النهائية. في 7 يوليو، حضر السفير التركي بالقاهرة، صالح موطلو شن، على متن السفينة، حيث استُقبل بمراسم عسكرية مصرية. كما شارك مسؤولون مصريون بارزون في الحفل، منهم قادة البحرية المصرية، وأعضاء من مجلس الشيوخ، وقناصل أجانب.

في كلمته، أعرب السفير شن عن رغبة بلاده في تعزيز التعاون العسكري والصناعات الدفاعية مع مصر، وصولًا إلى مقترح تصنيع سفن مشتركة في ميناء الإسكندرية، وهو عرض غير تقليدي في سياق العلاقات بين دولتين ظل التوتر السياسي يسيطر على علاقتهما لعقد كامل.

ثانيًا: تقاطعات المصالح… جسور جديدة على المتوسط

1. الدفاع البحري وصناعات السلاح

العرض التركي بتصنيع سفن حربية في مصر ليس فقط تأكيدًا على الانفتاح، بل هو إشارة عملية إلى الرغبة في نقل المعرفة وبناء الثقة. الصناعات الدفاعية التركية شهدت قفزة نوعية في السنوات الأخيرة، ومصر تمضي هي الأخرى في تحديث ترسانتها البحرية، ما يجعل هذا التعاون متوافقًا مع مصالح الطرفين.

2. الأمن الإقليمي في شرق المتوسط

تركيا ومصر، رغم خلافاتهما، يتشاركان تحديات مشتركة في البحر المتوسط، أبرزها الهجرة غير النظامية، القرصنة، التهريب، والنزاعات البحرية. وقد تعني زيارة “بويوكادا” بداية لتنسيق أوسع في تأمين هذا المجال الحيوي.

3. بوابة إفريقيا

مصر بوابة الشمال الإفريقي، وتركيا تتقدم بثقل نحو غرب ووسط القارة. والتقاء المصالح في إفريقيا قد يدفع أنقرة والقاهرة إلى شراكات ذكية في مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا الزراعية.

ثالثًا: خلافات ما زالت قائمة

رغم الأجواء الإيجابية، لا تزال ملفات الخلاف حاضرة:

1. الملف الليبي

فلكل من القاهرة وأنقرة رؤية مختلفة للحل السياسي هناك، ويدعمان أطرافًا متباينة على الأرض.

2. ترسيم الحدود البحرية

الاتفاق البحري التركي الليبي ما زال محل رفض مصري، فيما تسعى القاهرة لتحالفات بديلة مع اليونان وقبرص.

3. استضافة تركيا لقيادات الإخوان المسلمين

وهو ملف حساس للغاية في القاهرة، ولا يزال دون معالجة كاملة، رغم تراجع الخطاب الإعلامي المعادي من أنقرة.

رابعًا: التاريخ يُستدعى للغد

ما بين حديث السفير شن عن زيارة السلطان العثماني عبد العزيز لمصر عام 1863، واستدعاء سيرة محمود مختار باشا المدفون في القاهرة، كان واضحًا أن تركيا تستثمر في الذاكرة المشتركة لإعادة صياغة الحاضر.

تاريخ الإسكندرية كميناء استراتيجي عثماني، ووجود رموز بحرية تركية في الذاكرة المصرية، يُستخدمان اليوم لتليين المشهد، وإعادة العلاقات إلى منحنى أكثر توازنًا، قائم على المصالح لا الأيديولوجيا.

خامسًا: نحو تحالف واقعي؟

زيارة “بويوكادا” يمكن اعتبارها بروفة سياسية – عسكرية لاستكشاف المساحة المشتركة الممكنة بين أنقرة والقاهرة. فإذا ما بُني عليها تدريبات بحرية مشتركة، أو تعاون صناعي حقيقي، فقد تكون مقدمة لتكتل إقليمي جديد، يتعامل مع المتغيرات المتسارعة شرق المتوسط، ويرسّخ لسياسات واقعية أكثر نضجًا وهدوءًا.

✅ خلاصة القول!

  • زيارة السفينة بويوكادا للإسكندرية تحمل أبعادًا استراتيجية وليست رمزية فقط.
  • التعاون الدفاعي والبحري المشترك يعكس جدية تركية في بناء شراكة مع مصر.
  • الملفات الخلافية لا تزال قائمة، لكنها قابلة للإدارة عبر الحوار.
  • استخدام التاريخ المشترك أداة دبلوماسية ذكية لتمهيد طريق المستقبل.
  • الزيارة قد تكون نقطة انعطاف نحو شراكة واقعية تراعي المصالح وتُجنّب الصدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى