لواء محمد حسين يكتب
وكيل أول وزارة _ الهيئة العامة للإستعلامات
منذ نشأته في عام 2006، لم يكن تكتل “البريكس” مجرد تجمع اقتصادي بين خمس دول ناشئة، بل مشروعًا سياسيًا – اقتصاديًا بديلًا، يسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي الذي ظل لعقود رهين هيمنة القوى الغربية. ومع التوسعة التاريخية في عام 2024 بانضمام مصر، والسعودية، والإمارات، وإيران، وإثيوبيا، بات التكتل يمتلك قوة ديموغرافية وجيوسياسية واقتصادية تضعه في قلب التفاعلات الدولية الجديدة.
الجنوب العالمي يستعيد صوته
من أبرز التحولات التي رسّخها البريكس، إحياء فكرة “الجنوب العالمي” كفاعل مستقل، وليس مجرد متلقٍ لسياسات الشمال. ففي ظل الاختناقات التي شهدها الاقتصاد العالمي بعد جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، تجلّت هشاشة النموذج النيوليبرالي التقليدي، وباتت الحاجة ماسة إلى بدائل تُلبّي تطلعات الدول النامية بعيدًا عن شروط المؤسسات المالية الدولية الصارمة.
وهنا برز البريكس كمحفز للتنمية المستقلة، عبر خمسة محاور رئيسية:
- تعزيز التعاون بين الجنوب والجنوب: من خلال تبادل الخبرات والتقنيات والاستثمارات بين دول نامية متقاربة التحديات.
- تنويع النظام الاقتصادي العالمي: وذلك بتقليص الاعتماد على اقتصادات الشمال وهيمنته المالية.
- دعم الاستثمارات البينية: التي تسهم في تحفيز النمو وبناء مشاريع تنموية شاملة.
- تحقيق أهداف التنمية المستدامة: مثل محاربة الفقر، وتحسين التعليم، والصحة، وحماية البيئة.
- المطالبة بتمثيل عادل في المؤسسات الدولية: لضمان صوت أقوى للدول النامية في صنع القرار العالمي.
لغة الأرقام: البريكس في قلب الاقتصاد العالمي
بالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية، فإن تكتل البريكس بات رقماً صعباً:
- 36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بناءً على تعادل القوة الشرائية).
- 25% من التجارة العالمية، تستحوذ الصين على النسبة الأكبر فيها.
- 45% من سكان العالم، ما يمنحه سوقًا ضخمة ونفوذًا استهلاكيًا عالميًا.
- 40% من إنتاج الطاقة العالمي، لا سيما النفط والغاز، ما يعزز تأثيره على أسواق الطاقة وأسعارها.
- أصول نقدية واحتياطيات ذهبية تفوق 5 تريليونات دولار، خاصة في الصين والهند.
معارك النفوذ: البريكس في مواجهة النظام المالي العالمي
لكن صعود البريكس لا يخلو من تحديات جوهرية، أبرزها:
- هيمنة المؤسسات المالية الغربية: فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ما زالا خاضعين لنفوذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بنسبة تصويتية تتجاوز 40%، مقابل أقل من 15% لدول البريكس.
- الاعتماد على الدولار: الذي لا يزال يشكل حوالي 58% من الاحتياطيات العالمية، ويهيمن على أنظمة الدفع والتحويلات، مثل نظام SWIFT، ما يجعل اقتصادات البريكس عرضة لضغوط سياسية عبر الأدوات المالية.
صعود البدائل: نحو استقلال مالي استراتيجي
أمام هذه المعادلة المختلة، تتجه البريكس إلى بناء بنية مالية موازية:
- بنك التنمية الجديد (NDB): كأداة لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية دون شروط سياسية.
- ترتيبات احتياطي الطوارئ: توفر مظلة دعم أثناء الأزمات بديلاً لصندوق النقد الدولي.
- مقترح العملة الموحدة أو نظام مدفوعات مستقل: لتقليل الاعتماد على الدولار وكسر أحادية النفوذ الغربي.
وقد أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته لمقر البنك في أبريل 2025 أن على هذه المؤسسات الناشئة أن تلبّي احتياجات الجنوب العالمي فعلاً لا قولًا.
شراكات جنوبية أوسع: آسيان كمثال
المفارقة أن البريكس بات اليوم أكثر جاذبية حتى للدول غير الأعضاء. ففي ظل تنامي النزعة الحمائية الأمريكية، تُبدي دول مثل إندونيسيا وتايلاند وماليزيا رغبتها في تعزيز التعاون مع البريكس، ضمن إطار جنوب-جنوب يعيد التوازن إلى ساحة الاقتصاد العالمي.
البريكس: من فكرة إلى واقع تنافسي
لم تعد البريكس مجرد حلم بديل للنظام الغربي، بل أصبحت واقعًا مؤثرًا. فبينما تواصل مجموعة السبع (G7) محاولات احتواء التمدد الصيني والروسي، يظهر البريكس كتحالف متنوع الأقطاب، يضم الديمقراطيات الكبرى (كالهند والبرازيل) إلى جانب الأنظمة المركزية (كالصين وروسيا)، مما يمنحه مرونة استراتيجية وإمكانات توسع مستقبلية.
خاتمة: إلى أين يمضي النظام الدولي؟
البريكس ليست فقط ظاهرة اقتصادية، بل مشروع سياسي لتوازن القوى. ومع توسّعها الأخير في عام 2024، تُمهّد الطريق لنظام عالمي متعدد الأقطاب، أقل خضوعًا لإملاءات الغرب، وأكثر استجابة لتطلعات الجنوب.
إن معركة البريكس الحقيقية ليست ضد الغرب، بل من أجل تحقيق شراكة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا. ومهما تكن العقبات، فإن الميلاد الجديد للنظام العالمي لن يُكتب دون صوت الجنوب.



