رئيس التحريرسلايدر

✒️ رثاء.. في حضرة الجُحودْ… يسقط النُبلُ صامتًا!

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

يا دنيا الغدر والخيانة،
كيف لكِ أن تنقضي أعمارٌ في البذل والعطاء،
ثم تُكافأ الأيادي البيضاء بالنكران والجفاء؟!

عندما يتنكّر الأبناء لمعروف السنين،
ويُسدل الستار على عقودٍ من التربية والتعليم،
وتُستبدل المحبة بالحقد، والرحمة بالقسوة،
والأصول بالتمرد، والقيم بالاستهزاء!

أيكون جزاء الحُلم، والكرم، والعطاء،
أن يُقابل بالعقوق والاستغلال والاستخفاف؟
أيُعقل أن يذوب الأب ويتلاشى كي يحيا الأبناء،
ثم يُقابَل ببسمةٍ صفراء،
أو كلمةٍ مسمومة،
أو دعاءٍ في غيابه،
أن يُقصّر الله في عمره ليستعجلوا الميراث؟!

لقد ضلّ الأبناء الطريق حين ابتعدوا عن المساجد،
وهجروا القرآن،
وآثروا شهوات الدنيا وفتنتها،
وسجدوا للدرهم، وتناسوا دعاء الأمهات عند الأسحار!
ركضوا خلف وهم الحريّة،
وأضلّهم سُعار المال، وبريق الشاشات،
فانقطعت الأرحام، وتشرذمت البيوت،
وغدت العائلة الواحدة غرباء تحت سقفٍ واحد!

أي صلاح يُرجى من نفوس هجرت نور الله؟
وغرّها مَن دعاها للتمرّد باسم “الحرية”،
والقَطيعة باسم “الاستقلال”،
والمادية باسم “النجاح”؟
فما عادت القلوب خاشعة،
ولا العيون دامعة،
ولا الأرواح ممتلئة برحمة الرحمن!

كم من أمٍّ باتت تبكي في محرابها من وجع القطيعة،
وكم من أبٍّ قضى ليلته على أعتاب دار المسنين،
بينه وبين من ربّاهم جدارٌ من جحود!

وهل بعد هذا نسأل لماذا تفككت الأُسر؟
ولماذا زاد الطلاق، وفسخ الخطبة، وهجر البيوت؟
إنها سياسة التفكيك لا محالة،
تُدار من بعيد،
وتُنفَّذ بيد الأبناء،
وشعارها “فَرِّقْ تَسُدْ”…
تُغذّيها دراما هابطة،
وأفكارٌ مستوردة،
وثقافة تعيد إنتاج المستعمر،
في لباسٍ حداثيّ خادع!

ما عادت المرآة صادقة،
بل صارت مقعّرة ومحدّبة،
إمّا تُضخّم الوهم،
وإمّا تُصغّر الحقيقة،
وتجمّل القبح، وتُقبح الجمال!

أليست هذه هي الدنيا المتنمرة؟
الدنيا الغادرة؟
التي إذا أحبّك فيها الناس،
كرهك الله،
وإذا خذلك الناس فيها،
رفعك الله.

فلا عجب إن أصبح الحصادُ المُرّ
ثمرةً لريحٍ عاتية،
قلعت جذور الرحم،
ونشرت بذور القطيعة…
وباع الأبناءُ الوصال،
واشتروا العار بثمنٍ بخسٍ في سوق الدنيا.

فيا مَن خُدِعتم بزينة المال،
وانجرفتم خلف بريق الأبناء،
تذكّروا قول الله في كتابه العزيز:
“إنما أموالكم وأولادكم فتنة”،
فلا تغرّنّكم دنيا تمنح وتسترد،
ولا تُلهِكُم عطاياها عن ذكر واهبها.

إنهم امتحان،
نِعَمُ تُختبرون بها،
هل تشكرون أم تكفرون؟
هل تطيعون الله بهم أم تعصونه لأجلهم؟
هل تعتاضون عن رضا الله برضاهم؟
فتلك هي الخسارة الكبرى،
حين يصير القريبُ عدواً،
والنعمة نقمة،
والولد سببًا في فتنتك وضياعك!

وقد قال سبحانه:
“يا أيها الذين آمنوا، لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكرِ الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون.”

فيا ويح من خسر الدنيا والدين،
لا نفعه ولدٌ، ولا شفع له مال،
ولا أغنى عنه نسبٌ أو جاه،
وسيعلم حينها أن الله وحده هو الباقي،
وأن الأجر عنده أعظم،
وأن مَن فقد الله فقد كل شيء،
ومَن وجد الله فقد وجد كل شيء.

وفي الأثر، عن ربّ العزة:
“يا ابن آدم، اطلبني تجدني،
فإن وجدتني وجدت كل شيء،
وإن فتُّك فاتك كل شيء،
وأنا أحب إليك من كل شيء.”

وإن كنتم تؤمنون بنبيّ الرحمة،
فقد قال صادق اللسان، صلى الله عليه وسلم:
“لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين.”

فقدِّموا حب الله على حب الولد،
وقدِّموا طاعة الله على هوى النفس،
فلن تُفلِحوا إلا إذا كنتم من الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم،
ويحذرون أن تتحول النعمة إلى فتنة،
والولد إلى خصم،
والبيت إلى قطيعة!

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا،
ولا الأموال والأولاد سبب فتنتنا،
واجعل لنا فيها بركة، وفي الآخرة جنة،
ولا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا،
وهب لنا من لدنك رحمة…
إنك أنت الوهاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى