رئيس التحريرسلايدر

حِينَ خانَتْنِي الحُرُوفُ !

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

عامَ 1987…
كَأنَّ الزَّهْرَ تَفَتَّحَ بَينَ أَضْلُعي،
وأضاءَتِ الدُّنيا بِعَيْنَيْكِ…
فَصِرْتُ أَنتِ، وأَنْتِ أَنا،
وفي كُلِّ تَفْصِيلَةٍ كُنَّا مَعًا.

كَلِماتُكِ كانَتْ تَسْبِقُ نَبْضِي،
ضَحِكَتُكِ تَخْتَصِرُ العالَمَ،
وَهَمَساتُكِ تَنامُ عَلى كَتِفِي…
كَأُغْنِيَةٍ لا تَمُوتُ.

عِشْقٌ نَبِيلٌ… لا يَعْرِفُ زَيْفًا وَلا ظُنُونًا،
نَقِيٌّ كَالمَطَرِ،
رَقِيقٌ كَدُعاءِ أُمٍّ عِندَ الفَجْرِ،
صادِقٌ… كَاعْتِرافِ الطِّفْلِ بِذَنْبِهِ الأَوَّلِ.

كَمْ قَطَفْتُ عُنْقُودَ عَنْبِ العَنْزِ،
يَنْسَابُ شَهْدُهُ بَيْنَ شَفَتَيْكِ،
أَعْلاهُ عَسَلٌ… وَأَسْفَلُهُ نَحْلٌ.

وَكَمْ نَسَجْتُ أَحْلَامَ الخِطْبَةِ،
ذَهَبًا وَماسًا،
لِزَمَنٍ مَعْلُومٍ،
لا يَعْرِفُ فِيهِ الحُزْنُ طَرِيقًا لِقَلْبِي.

وَمَعًا عَشِقْنَا دَرْبَ:
“قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا…”
وَكانَتْ لُغَةُ العَجَمِ مَلَاذًا،
مِنْ مَكْرِ حُرُوفٍ بِالعَرَبِيَّةِ تَنْهَشُ نُبْلًا.

وَما تَبَقَّى بَيْنَنا… إِلَّا عامِلٌ مُشْتَرَكٌ،
أَمَّا بَقِيَّةُ العَوامِلِ، فَاحْتَرَقَتْ،
بِفِعْلِ العَارِفِينَ زَيْفًا،
مِنْ تَسَرْبَلُوا بِثِيابِ الفِكْرِ،
وَخَنَقُوا الحَقِيقَةَ بِوِشَايَةٍ مِنْ يَقِينٍ.

وَما إِنْ بَدَأْنَا نَعْلُو بِأَحْلَامِنا،
حَتَّى بَدَأَتِ السِّهَامُ تُرْمَى…
مِنْ حَيْثُ لا نَدْرِي،
مِنْ بَيْنِ الأَهْلِ،
مِنْ خَلْفِ جُدْرَانِ الوُدِّ المُزَيَّفِ،
مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ…
مِنْ جَلَسُوا عَلَى مَوَائِدِنَا،
وَشَرِبُوا قَهْوَتَنَا،
ثُمَّ سَمَّمُوا الغِيابَ بِالخَدِيعَةِ.

تَدَاعَى حُبُّنَا الطَّاهِرُ،
وَتَكَسَّرَ فِي زَوَايَا الظَّنِّ وَالهَمْزِ،
وَأَنَا كُنْتُ أُرَمِّمُهُ بِنَبْضِي…
لَكِنَّهُ ما عادَ يَحْتَمِلُ.

ثُمَّ…
جَاءَ القَرَارُ كَالسَّيْفِ فَوْقَ عُنُقِي:
قالُوا: “لااااا…”
وَإِنْ حَمَلْتُ السَّمَاءَ عَلَى ظَهْرِي لِأَجْلِهَا!

وَأَرْسَلُوا الرُّسُلَ لِأَهْلِهَا تِبَاعًا،
يَحْمِلُونَ “لا” مِنْ كُلِّ جِهَةٍ،
وَبَرْدًا لا يُدْفِئُ القَلْبَ، وَلا يُنْبِتُ مَأْوًى.

وَمِنْهُمْ مَنْ جَاءَ لاحِقًا…
أَبُو عُرْسِ أَخِي،
لِيُكْمِلَ قَتْلَ فُؤَادِي المُثْكُولِ الحَزِينِ.

فَأَمْسَى ذَهَبُ الخِطْبَةِ
وَلُؤْلُؤُ الحُلُمِ
مِنْ نَصِيبِ أَخِي… كَرْهًا لا رَغْبَةً.

وَرُحْتُ أُلَمْلِمُ شَظَايَا رُوحِي،
كَيْ أُبَارِكَ… وَأُهَنِّئَ،
وَسَطَ العابِثِينَ بِي،
مُطَبِّلِينَ… مُزَمِّرِينَ…

دَعِينِي… وَدَعِينِي وَدَمْعِي يُسْقِي الرُّبَى وَالسُّهُولَ،
فَكَمْ زَرَعُوا الشَّوْكَ فِي رَاحَتَيَّ الطُّفُولَ،
وَكَمْ نَزَفْتُ دَمًا، لِأَرْوِي وَرْدًا خَجُولْ…
فَإِذَا بِهِ يَتَسَاقَطُ سُمًّا،
تَذْبُلُ أَوْرَاقُهُ، وَيَخْبُو عَبِيرُ الأَمَلِ المَقْتُولِ.

كَمْ طَلَبْتُ رَحِيقَ الهَوَى مِنْكِ،
لَكِنَّكِ لا تُجِيبِينَ…
بَلْ تَخْتَارِينَ الرَّحِيلَ طَرِيقًا،
وَقَدَرِيًّا مُبِينْ.

قَطَفْتُ الوُرُودَ، سَكَبْتُ المَاءَ عَلَيْهَا،
لِتَمْتَلِئَ قَارُورَةُ عِشْقٍ بِرَائِحَةِ الحَنِينْ،
فَسَالَ شِرْيَانِي، وَتَاهَ الوَرِيدُ،
وَتَهَاوَتْ أَعْضَائِي، تَنْشُدُ سُكْنَى أَبَدَ الحَيَاةِ فِيكِ…
لَكِنَّ أَجْرَاسَ الخُبْثِ قَرَعَتْ نُبْلَ حُبٍّ،
اِمْتَدَّ كَالسَّيْفِ المُهَنَّدِ الوَحِيدِ.

وَبَعْدَكِ… لَمْ أَعُدْ أَنَا.
وَلا عادَ مَنْ حَوْلِي كَمَا كانوا يَظُنُّون،
فِي العُيُونِ شُرُودٌ،
وَفِي الضَّحِكَاتِ ارْتِعَاشَاتٌ تَخُونُ،
وَفِي القَلْبِ وَجَعٌ…
يَتَوَارَى خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ مَصْنُوعَةٍ بِالشِّفَاهِ، دُونَ السُّكُونِ.

حَتَّى الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَكِ،
شَرِيكَةَ حَيَاةٍ لا ذَنْبَ لَهَا،
ما وَجَدَتْ فِي قَلْبِي وَطَنًا،
وَلا سَكَنَتْ إِلَّا جِوَارَ أَطْلَالٍ
يَنْزِفُ فِيهَا الحَنِينُ كُلَّ حِينٍ.

تُعَانِي، وَتَدْرِي…
بِأَنَّ قَلْبًا سَكَنَتْهُ امرَأَةٌ،
ظَلَّ فِيهَا سَجِينًا،
فَما نَجَتْ هِيَ،
وَلا نَجَوْتُ أَنَا،
وَلا الذِّكْرَى…
وَلا ذَبَلَ اليَاسَمِينُ.

لَكِنَّ القَدَرَ،
الَّذِي أَمْهَلَ العابِثِينَ قَلِيلًا،
أَذَاقَهُمْ مَرَارَةَ ما زَرَعُوهُ خُبْثًا.
فَمِنْهُمْ مَنْ فَقَدَ الزَّوْجَ وَالوَلَدَ،
وَمِنْهُمْ مَنْ تَطَلَّقَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ،
وَمِنْهُمْ مَنْ دَاهَمَتْهُ أَمْرَاضٌ لا تُشْفَى،
وَسَطَ خِدَاعِ “ذِئْبِ زَوْجٍ”،
وَمِنْهُمْ مَنْ عاشَ عُمْرَهُ…
بِكَلِمَاتٍ بِلا نُقَاطٍ.

فَيا مَن لَهُ ظِلٌّ… تَذَوَّقْ مِنَ الذِّكْرَى شَهْدًا،
وَمِنَ العِبْرَةِ عَلْقَمًا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى