
أشرف أبو عريف
في ظل عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتناقض فيه المواقف، تجد الهند نفسها مرة أخرى في مرمى الانتقادات الغربية بسبب تعاملاتها الاقتصادية مع روسيا. لكن خلف هذه الضغوط، تكشف الأرقام والوقائع عن مشهد مختلف: ازدواجية في المعايير، وتجاهل لضرورات الأمن الطاقي في دولة تتجاوز سكانها المليار نسمة.
فبينما تواصل دولٌ غربية عقد صفقاتها مع موسكو في مجالات استراتيجية، توجَّه سهام الانتقاد إلى نيودلهي وحدها. هذا البيان الصادر عن المتحدث الرسمي باسم الحكومة الهندية في 4 أغسطس 2025، لا يأتي فقط للدفاع عن سياسات الهند، بل لكشف التناقض الصارخ في الرواية الدولية حول من يُلام ومن يُستثنى وفق الآتى:
1. استيراد النفط من روسيا: بين الضرورة والازدواجية الغربية
تعرضت الهند لانتقادات متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب استمرارها في استيراد النفط من روسيا عقب اندلاع الصراع في أوكرانيا. غير أن الواقع يؤكد أن هذا التوجه لم يكن خيارًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية، إذ إن الإمدادات التقليدية تم توجيهها إلى أوروبا، بدفع وتشجيع من الغرب ذاته، لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.
2. حماية المستهلك الهندي: أولوية استراتيجية
تركز الهند في سياساتها الاستيرادية على تأمين إمدادات طاقة بأسعار معقولة ويمكن التنبؤ بها، حرصًا على حماية المستهلك المحلي. هذا التوجه لا يخرج عن منطق السوق وضروراته، بل يُعد من مقومات الاستقرار الوطني.
3. أرقام تكشف التناقضات
في عام 2024، بلغ حجم التجارة الثنائية في السلع بين الاتحاد الأوروبي وروسيا 67.5 مليار يورو، إضافة إلى تجارة خدمية تُقدّر بـ17.2 مليار يورو في عام 2023. كما سجّلت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من روسيا رقمًا قياسيًا بلغ 16.5 مليون طن في 2024. كل ذلك يفوق بكثير حجم التبادل التجاري بين الهند وروسيا خلال نفس الفترة.
4. ليس النفط وحده: تجارة شاملة بين أوروبا وروسيا
تغطي التجارة الأوروبية مع روسيا طيفًا واسعًا من القطاعات، تشمل الأسمدة، والمعادن، والكيماويات، والحديد، والصلب، والمعدات الصناعية ومستلزمات النقل – وهو نطاق يفوق بشكل واضح طبيعة تعاملات الهند مع موسكو.
5. الولايات المتحدة.. استيراد استراتيجي من روسيا
رغم الخطاب السياسي المتشدد، تواصل الولايات المتحدة استيراد مواد روسية أساسية مثل سداسي فلوريد اليورانيوم لصناعاتها النووية، والبلاديوم اللازم لصناعة السيارات الكهربائية، إضافة إلى الأسمدة والكيماويات.
6. موقف الهند: حماية المصالح الوطنية فوق كل اعتبار
في ظل هذه الحقائق، تُعد الانتقادات الموجهة إلى الهند غير مبررة وتعكس ازدواجية في المعايير. وكما هو الحال مع باقي الاقتصادات الكبرى، ستواصل الهند اتخاذ ما يلزم من قرارات لحماية أمنها الاقتصادي ومصالحها الوطنية.



