
د. أحمد مصطفى يكتب
رئيس مركز آسيا للدراسات والترجمة
تستضيف مدينة يوكوهاما في الفترة من 20 إلى 22 أغسطس أعمال الدورة التاسعة لمؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (TICAD 9)، في محطة جديدة فارقة للعلاقات اليابانية–الإفريقية. وتحت قيادة رئيس الوزراء إيشيبا شيغيرو، تسعى اليابان إلى إعادة تعريف دورها في القارة: ليس كمانح تقليدي، بل كشريك طويل الأمد في التنمية. ويأتي هذا التحول في وقتٍ تتسارع فيه المنافسة العالمية على إفريقيا، مع مبادرة الحزام والطريق الصينية والحضور الغربي المتزايد.
لا تتجاوز حصة إفريقيا سوى 0.5% من إجمالي الاستثمارات اليابانية المباشرة حول العالم، وهو ما يدفع طوكيو إلى استخدام آليات جديدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص لزيادة الحضور الاقتصادي. وسيركز المؤتمر على تحقيق “النمو النوعي” عبر مشروعات مستدامة تحقق فوائد اجتماعية واقتصادية طويلة المدى بما يتوافق مع أولويات القارة.
كما يضع المؤتمر الشباب والابتكار في قلب أجندته، إذ يُتوقع أن تحتضن إفريقيا ثلث شباب العالم بحلول 2050. وستعمل اليابان على تعزيز التعاون في مجالات الصحة الرقمية، الزراعة، التكنولوجيا المالية، والطاقة النظيفة، مع التركيز على تمكين المرأة وتوسيع الشمول الرقمي. كذلك، تتحرك اليابان لضمان أمن مواردها من خلال شراكات مع الدول الإفريقية في المعادن الحيوية والطاقة الخضراء، مع تعزيز مصداقيتها بالابتعاد عن التدخلات السياسية المباشرة.
العلاقات المالية تتنامى أيضًا، كما يظهر في إصدار ساحل العاج لسندات “ساموراي” بالين الياباني لتمويل التكيف المناخي. وبعد تعهدها في تيكاد 8 بضخ 30 مليار دولار، أفرجت طوكيو بالفعل عن 1.5 مليار دولار عبر مبادرة “دعم القطاع الخاص في إفريقيا”. ولن تغيب قضايا الأمن والاستقرار، إذ تواصل اليابان دعم عمليات حفظ السلام ومعالجة جذور عدم الاستقرار مثل الفقر والتغير المناخي.
هذه الرؤية تندرج ضمن استراتيجية “منطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ”، ما يعكس حرص اليابان على شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع إفريقيا.
مشاركة مصر في تيكاد 9
تلعب مصر دورًا محوريًا في تعزيز التعاون الإفريقي–الياباني. فباعتبارها أكبر اقتصاد في شمال إفريقيا وجسرًا بين القارات، وظّفت القاهرة موقعها الاستراتيجي لإبرام شراكات بارزة، منها الشراكة التعليمية المصرية–اليابانية ومشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (SCZONE) التي جذبت استثمارات يابانية بلغت 3.6 مليار دولار عام 2022.
وتُظهر مصر أن الإصلاحات والسياسات الجاذبة للاستثمار يمكن أن تتحول إلى نموذج إفريقي يحتذى به. فالتعهد الياباني بتخصيص 30 مليار دولار لإفريقيا يعكس تصاعد أهمية القارة، فيما يُمثل نجاح التجربة المصرية دليلًا على جدوى القيادة الإقليمية في تحقيق النمو التحويلي.
الاتفاقيات الاقتصادية المصرية–اليابانية
وقّعت مصر واليابان مؤخرًا 12 اتفاقية اقتصادية في مجالات الطاقة، التعليم، الصناعة، السياحة، والتكنولوجيا. من أبرزها استثمار بقيمة 500 مليون دولار في الطاقة المتجددة، سيزيد من القدرة الخضراء لمصر بنسبة 20%. كما تشمل الاتفاقيات تعزيز التدريب الفني للشباب بالتعاون مع الجامعات اليابانية، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.
أما في قطاع الصناعة، فسيتم تطوير خطوط إنتاج في مجالي السيارات والإلكترونيات، فيما تهدف اتفاقيات السياحة إلى إبراز التراث الثقافي المصري. وتشمل الاتفاقيات أيضًا نقل التكنولوجيا لدعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للابتكار.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وفرص الاستثمار
تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ركيزة أساسية في خطط مصر للتحول إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي. وبفضل موقعها الفريد على مجرى قناة السويس واتفاقيات التجارة مثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، توفر المنطقة ميزة تنافسية فريدة للشركات العالمية.
وقد دعت مصر الشركات اليابانية لإنشاء منطقة صناعية خاصة داخل SCZONE، حيث يلتقي التفوق التكنولوجي الياباني مع انخفاض تكاليف الطاقة والعمالة في مصر. ومع بنية تحتية متطورة وحوافز ضريبية وتنظيمية، تمثل المنطقة نقطة جذب استثنائية للمصانع اليابانية الراغبة في التوسع نحو أسواق إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
مصر جسر إفريقيا وآسيا
بفضل موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، تؤدي مصر دورًا استراتيجيًا كجسر بين القارتين. فهي تدير أكثر من 30% من تجارة إفريقيا مع آسيا عبر آليات مثل الكوميسا واتفاقية التجارة الحرة القارية.
وفي 2021، استحوذت مصر على 40% من إجمالي الاستثمارات اليابانية في إفريقيا، ما يجعلها مركزًا محوريًا في ربط القارتين. ومع تعزيز التصنيع والتحول الرقمي، ترسخ القاهرة مكانتها كمركز إقليمي ونموذج ناجح للدبلوماسية الاقتصادية.
دعم أجندة إفريقيا 2063
تشكل الشراكة المصرية–اليابانية نموذجًا عمليًا لدعم أجندة إفريقيا 2063، القائمة على الاستدامة والمرونة المناخية والتصنيع. ومن الأمثلة البارزة استثمار اليابان في مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقيمة 40 مليون دولار.
كما يعزز الجامعة المصرية–اليابانية للعلوم والتكنولوجيا الابتكار وتنمية المهارات. ومع تدفق استثمارات أجنبية مباشرة لمصر بلغت 8.1 مليار دولار في 2022، تبرز التجربة المصرية كدليل على دور السياسات المستقرة في جذب الشركاء العالميين.
بُعد رأس المال البشري والتعليم
يمثل التعليم محورًا أساسيًا في الشراكة المصرية–اليابانية، من خلال برامج التدريب المهني وتطبيق نموذج التوكاتسو الذي يركز على بناء الشخصية والأنشطة التربوية الشاملة.
بين عامي 2018 و2023 ارتفعت معدلات الالتحاق بالتعليم الفني في مصر بنسبة 30%، ما يسهم في تقليص فجوة المهارات وتقليل بطالة الشباب. ويوفر التعاون مع اليابان نموذجًا يمكن تعميمه في دول إفريقية أخرى، خاصة مع التوقعات بارتفاع معدل البطالة بين الشباب في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 22% عام 2025.
التحدي الياباني أمام الصين
رغم التزاماتها الضخمة، تواجه اليابان منافسة حادة في إفريقيا. فقد ضخت منذ انطلاق تيكاد أكثر من 30 مليار دولار، إلا أن التحديات الديموغرافية – من شيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة – قد تعيق استمرارية هذا الزخم.
في المقابل، عززت الصين حضورها عبر المنح الدراسية (أكبر بـ 12 مرة من اليابان) وتكوين جالية إفريقية واسعة في مدن مثل قوانغتشو، بخلاف سياسات الهجرة اليابانية المتشددة.
يبقى الرهان لليابان في تحويل الشراكة من مجرد وعود رمزية إلى تعاون ملموس، عبر تسخير تفوقها التكنولوجي بما يخدم الإمكانات الإفريقية الشابة، على أساس المنفعة المتبادلة.



