
بسمة الجالوس
في جدة، عند تخوم البحر الأحمر حيث تتقاطع أنفاس الشرق بروح الإسلام، التقى صوت النيل بصدى البوسفور. هناك جلس د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، إلى جوار نظيره التركي هاكان فيدان، في مشاورات ثنائية على هامش الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، يوم الاثنين ٢٥ أغسطس ٢٠٢٥.
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع بروتوكولي، بل كان امتدادًا لرحلة تاريخية تجاوزت حدود المئة عام من العلاقات الدبلوماسية، واستحضارًا لذاكرة أعمق تصل إلى أيام التجارة والحج والثقافة التي جمعت مصر وتركيا عبر القرون.
أظهر الوزيران رضاهما عن الزخم الجديد الذي يعيشه المسار المصري–التركي، مؤكدين أن جسور السياسة الحديثة تُبنى على أعمدة الماضي العريق. تحدثا عن اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي في إسطنبول العام الماضي، وزيارة العلمين هذا الشهر، كخطوات تُمهد لدورة جديدة من الشراكة، يتطلعان أن تتوج قريبًا بلقاء رئاسي يعيد صياغة مستقبل المنطقة.
في لغة الأرقام، كان الهدف واضحًا: ١٥ مليار دولار من التبادل التجاري في خمس سنوات، واستثمارات تركية أكبر في أرض الكنانة، حيث تتحول الأرقام إلى جسور جديدة للرخاء.
لكن لغة الدم والدموع حضرت أيضًا حين تناول الوزيران مأساة غزة. اتفقا أن العدوان الإسرائيلي تجاوز حدود الإنسانية والقانون، وأن التجويع والقتل الممنهج وصمة على جبين العالم. جدد عبد العاطي شرح الدور المصري في الوساطة مع قطر لوقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن مصر قدمت ٧٠٪ من المساعدات الإنسانية للقطاع، فيما ظلت أكثر من ٥٠٠٠ شاحنة تنتظر على المعابر كصرخة حبيسة خلف الأسلاك الإسرائيلية.
ومن فلسطين إلى ليبيا وسوريا ولبنان والسودان والقرن الأفريقي، ترددت الأسماء كقصائد من الألم والرجاء. أكد الوزيران أن وحدة الأوطان وسيادتها ليست مجرد شعارات، بل شرط للسلام والاستقرار والتنمية، وأن التنسيق بين القاهرة وأنقرة قد يكون مفتاحًا يفتح أبواب الحلول السياسية المغلقة.
وهكذا خرجت مشاورات جدة كنبض جديد في مسار طويل، حيث لا يكتفي البوسفور بالنظر نحو المتوسط، ولا يرضى النيل أن يجري وحيدًا، بل يلتقيان في معابر السياسة والتاريخ، بحثًا عن مستقبل يليق بروابط ألف عام من القرب والجوار.



