
أشرف أبو عريف
أستانا – 29 أغسطس 2025 في اليوم العالمي لوقف التجارب النووية، تستحضر كازاخستان قرارها التاريخي الذي اتخذته قبل تسعةٍ وعشرين عامًا بالتخلّي طوعًا عن ترسانتها النووية، لتصبح رمزًا عالميًا للسلم، ونموذجًا يُحتذى به في نزع السلاح وبناء الثقة بين الأمم.
إرث الماضي.. وحكمة القرار
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ورثت كازاخستان واحدًا من أضخم المخزونات النووية في العالم، يضم أكثر من 1400 رأس نووي وصواريخ باليستية عابرة للقارات. لكن القيادة الكازاخية آنذاك، بقيادة الرئيس الأسبق نور سلطان نزارباييف، آثرت أن تختار طريق الحكمة: إغلاق موقع سيميبالاتينسك للتجارب النووية، الذي كان شاهدًا على أكثر من 450 تجربة نووية منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم تسليم الترسانة النووية إلى روسيا والانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي كدولة خالية من السلاح النووي.
من جراح الاختبارات إلى رسالة إنسانية
لقد عانى شعب كازاخستان طويلًا من آثار الإشعاع النووي والتجارب المتكررة على أرضه، مما خلّف ندوبًا بيئية وصحية عميقة. لكن هذا الألم تحوّل إلى رسالة إنسانية قوية، إذ جعلت كازاخستان من معركتها ضد الأسلحة النووية قضية عالمية. وبمبادرة منها، أقرّت الأمم المتحدة عام 2009 جعل يوم 29 أغسطس اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية، لتذكير العالم بخطر تلك الأسلحة على البشرية جمعاء.
قيادة نحو عالم بلا نووي
منذ ذلك الحين، تواصل كازاخستان لعب دور فاعل في الدبلوماسية النووية؛ فقد ساهمت في إنشاء منطقة آسيا الوسطى الخالية من الأسلحة النووية عام 2006، واحتضنت في مدينة أوسكمن بنك اليورانيوم منخفض التخصيب التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ليكون بديلًا سلميًا يضمن إمداد العالم بالوقود النووي دون تهديدات انتشارية.
رسالة إلى المستقبل
في عالم يشهد تصاعد توترات نووية من شبه الجزيرة الكورية إلى الشرق الأوسط، تظل تجربة كازاخستان شاهدة على أن الأمن لا يُبنى بالقنابل، بل بالدبلوماسية والثقة والتعاون. وكما أكد الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف مؤخرًا: “إن قوة كازاخستان الحقيقية ليست في ما امتلكته يومًا من صواريخ، بل في ما قدّمته للعالم من رسالة سلام وأمل.”



