أنشودة الحروف المبعثرة… الإعلام بين التشتت وحلم الوحدة!!!

رئيس التحرير يكتب
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه التحديات، تظل الكلمة – مقروءة كانت أو مسموعة أو مرئية – سلاحًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجمعي وصون الهوية الوطنية. ولعل ما أشار إليه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تراجع الدراما والدور الإعلامي لم يكن مجرد ملاحظة عابرة، بل دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للكلمة، ولإحياء رسالة الفن والإعلام بوصفهما مرآة للمجتمع وعقل الأمة الناطق. ومن هنا، فإن الارتقاء بمستوى الإنتاج الثقافي والإعلامي لا يعد ترفًا فكريًا، وإنما ضرورة وطنية لضمان أن يبقى خطابنا معاصرًا، صادقًا، وفاعلًا في مواجهة ما يحيط بنا من متغيرات.
وحيث يلتقي النيل بذاكرة التاريخ، يقف الإعلام كمرآة للوطن: أحيانًا صافية تُظهر جمال الحقيقة، وأحيانًا مضبّبة تتنازعها البيروقراطية والقيود.
✦ الهيئة العامة للاستعلامات: الذراع الغائب الحاضر
أنشئت لتكون لسان الدولة وصوتها، تشرح للعالم مواقف مصر، وترد على الشائعات، وتحتضن المراسلين الأجانب، لكن دورها اليوم أقرب إلى ظلٍ باهت؛ تتحرك بردّ الفعل أكثر مما تصنع المبادرة.
✦ الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى: جزر منفصلة في بحر واحد
- الوطنية للإعلام تحمل إرث ماسبيرو، لكنها ترزح تحت ثقل البيروقراطية والعجز المالي.
- المجلس الأعلى للإعلام يملك سلطة التنظيم والرقابة، لكنه يعمل منفردًا دون أن يمد الجسور مع الآخرين.
- نقابة الصحفيين، بيت المهنة، تحاول أن تدافع عن كرامة الصحفي لكنها كثيرًا ما تبقى خارج دوائر صنع القرار.
ثلاث مؤسسات، كان الأجدر أن تُغنّي في جوقة واحدة، فإذا بها تعزف ألحانًا متنافرة.
✦ الإعلاميون بين القيود والحلم
- الصحافة المقروءة: تعاني من فقدان بريق التحقيقات العميقة، ومن هيمنة النسخ واللصق.
- الإعلام المرئي: يغرق في الاستعراض والإثارة، بينما تغيب البرامج العلمية والثقافية.
- الإعلام المسموع: يئن تحت وطأة التقليدية، رغم أن البودكاست يفتح شبابيك جديدة.
الأسباب؟ غياب التدريب الحديث، هيمنة الإدارة والسياسة، تغليب الربح على المهنية، وفجوة مع جيل الشباب.
أما العلاج؟ في مدارس جديدة للتأهيل، وحرية مسؤولة، واستثمار في الإعلام الرقمي، وبناء الثقة مع الجمهور.
✦ القانون… بين التشتت والتعارض
قانون الصحافة (180 لسنة 2018) جاء واعدًا لكنه وُلد في بيئة مجزأة:
- الوطنية للإعلام تعمل بقانون مستقل.
- الاستعلامات تتبع الرئاسة بلا رابط تشريعي مباشر.
- النقابة خارج الحساب تقريبًا.
فجاء المشهد القانوني مثل قصيدة ناقصة الأبيات، كل شطر فيها يغني وحده.
✦ الدمج… حلم الوحدة أم خطر المركزية؟
تطرح أحيانًا فكرة دمج الهيئات الثلاث في مؤسسة واحدة.
- المزايا: إنهاء الازدواجية، توحيد الخطاب، خفض التكلفة.
- المخاطر: مركزية مفرطة، تآكل التخصص، ضعف التمثيل المهني.
الحل الأمثل ليس في الصهر الكلي، بل في تنسيق مؤسسي ذكي:
مجلس أعلى للتنسيق الإعلامي، يجمع القيادات، يصدر قرارات ملزمة، ويترك لكل هيئة استقلالها الوظيفي.
✦ نحو أنشودة جديدة
الإعلام المصري لا يحتاج إلى سلطة أكبر، بل إلى حكمة أوفر؛ لا إلى أصوات متفرقة، بل إلى لحن متكامل.
فحين تمتد يد الاستعلامات إلى الوطنية، وتصافح النقابة المجلس الأعلى، سيتحوّل الصمت إلى خطاب، والتشتت إلى وحدة، وستعود مرآة الإعلام صافية تعكس وجه مصر الحقيقي: حضارة، وصدق، وقوة ناعمة تعانق العالم.



