
السفير ويلمر عمر باريينتوس يكتب ✍️
…سفير فنزويلا لدى القاهرة
في زمن تتسارع فيه الأحداث الدولية، وتتشابك فيه مصالح القوى الكبرى، قد يبدو الحديث عن التعاون السياحي بين مصر وفنزويلا كأنه مجرد تفصيلة صغيرة في لوحة السياسة العالمية. لكن الحقيقة أن مثل هذه المبادرات تحمل في طياتها دلالات عميقة ورسائل أبعد من السياحة ذاتها.
فلقاء سفير فنزويلا بالقاهرة ويلمر أومار باريتينوس مع الأستاذ ناصر فضلي المدير الإقليمي لمجموعة فنادق إنتركونتيننتال، بحضور الدكتور إبراهيم العسال، لم يكن لقاءً عادياً؛ بل خطوة رمزية نحو مشروع أكبر: إعادة صياغة العلاقات بين الجنوب العالمي عبر بوابة السياحة والثقافة.
السياحة… أداة استراتيجية وليست ترفاً
عندما نتحدث عن السياحة كركيزة للاقتصاد الوطني، فإننا لا نقصد فقط الإيرادات المباشرة من الرحلات والإقامات الفندقية، بل نتحدث عن صناعة متكاملة تشمل:
- تعزيز البنية التحتية (مطارات، طرق، موانئ).
- خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لشباب البلدين.
- تشجيع الاستثمارات المشتركة في مجالات الفندقة والخدمات.
- إحياء الروابط الثقافية من خلال المهرجانات والفعاليات السياحية المشتركة.
بهذا المعنى، يتحول المشروع من مجرد خطة سياحية إلى استثمار استراتيجي في رأس المال البشري والثقافي.
بين الكاريبي والنيل: تلاقي حضارتين
يمتلك كل من مصر وفنزويلا رصيداً حضارياً فريداً:
- مصر بتاريخها الممتد آلاف السنين، وآثارها التي تشكّل ذاكرة الإنسانية.
- فنزويلا بثرواتها الطبيعية المتنوعة، من جبال الأنديز إلى شلالات آنجل، أكبر شلال في العالم.
التكامل بين هذين البعدين يمكن أن يصنع منتجًا سياحيًا جديدًا، يجذب السائح العربي والأفريقي واللاتيني في آن واحد، ويحوّل البلدين إلى وجهة مزدوجة ذات طابع ثقافي وسياحي خاص.
التحديات والفرص
لكن علينا ألا ننخدع بالرومانسية وحدها. فهناك تحديات كبرى:
- صعوبة الربط الجوي المباشر بين القاهرة وكراكاس.
- التأشيرات وإجراءات السفر التي قد تعيق حركة السائحين.
- ضعف التسويق السياحي المشترك مقارنة بالوجهات العالمية الكبرى.
هذه العقبات تتطلب حلولاً عملية: إنشاء خطوط طيران مباشرة أو عبر محطات وسيطة، إطلاق برامج تأشيرات ميسّرة، والاستثمار في حملات إعلامية مشتركة تبرز فكرة “السياحة بين النيل والكاريبي”.
الدبلوماسية الناعمة في أبهى صورها
لقاء السفير باريتينوس بفضلي لم يكن مجرد حديث عن الفنادق والخدمات؛ بل كان رسالة سياسية مغلّفة بلغة السياحة. إنها محاولة لتأكيد أن التعاون بين مصر وفنزويلا يمكن أن يتجاوز البعد السياسي التقليدي ليصل إلى بناء روابط مجتمعية وثقافية واقتصادية أعمق.
الهدايا التذكارية التي ختم بها السفير اللقاء ليست مجرد عادة بروتوكولية، بل تعبير عن الرغبة في استمرارية التواصل والمتابعة. إنها بمثابة إعلان نوايا بأن المشروع سيظل مفتوحًا للنقاش والتطوير.
خاتمة: نحو نموذج جديد للتعاون بين الجنوب
إن بناء جسر سياحي بين الكاريبي والنيل ليس مجرد حلم؛ بل مشروع يمكن أن يصبح نموذجًا للتعاون جنوب–جنوب، حيث تلتقي الدول بعيدًا عن ضغوط القوى الكبرى، وتبني مستقبلها المشترك بإرادتها الذاتية.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل نمتلك الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية لتحويل هذه المبادرة إلى واقع؟ أم سيظل اللقاء محصورًا في إطار الصور التذكارية والبيانات الصحفية؟
إن الإجابة بيد صُنّاع القرار في القاهرة وكراكاس، لكنها أيضًا مسؤولية القطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، لأن السياحة ليست ملفًا حكوميًا فقط، بل مشروع حضاري تشاركي.



