رئيس التحريرسلايدر

غزّة في مرآة البيان… الحُلم بين الرماد والرجاء

Listen to this article

أشرف أبو عريف

في مشهدٍ دبلوماسي نادر، اجتمعت ثماني عواصم من العالمين العربي والإسلامي — القاهرة، عمّان، أبوظبي، جاكرتا، إسلام آباد، أنقرة، الرياض، والدوحة — لتوقّع بيانًا مشتركًا يرحّب بخطوات “حماس” نحو مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة.
هذا البيان، في جوهره، لا يعبّر عن لحظة سياسية عابرة بقدر ما يعكس تحوّلًا في لغة الإقليم من صخب الحرب إلى همس السلام.

البيان لم يكتفِ بالدعوة إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، بل تبنّى خطابًا جديدًا يتحدث عن توحيد الضفة وغزة، وعودة السلطة الفلسطينية، وضمان أمن الجميع، وإعادة إعمار القطاع.
لغة متزنة، تخلو من الشعارات، لكنها مشبعة بالإشارات:
إشارات إلى تعب الإرهاق العربي من دوامة الدم، وإلى رغبة جماعية في استعادة زمام المبادرة من أطراف الصراع المباشرين.

اللافت أن البيان قدّم “حماس” كفاعل سياسي قادر على التفاوض، لا كتنظيم معزول، ورحّب بموقفها الإيجابي.
وفي الوقت نفسه، لم يهاجم إسرائيل صراحة، بل وجّه الرسائل عبر واشنطن، مشيدًا بـ“التزام الرئيس الأميركي بإرساء السلام”.
بهذه الصياغة الدقيقة، بدا البيان وكأنه يخاطب البيت الأبيض لا تل أبيب، في محاولة لترسيخ توازنٍ بين الواقعية والكرامة، بين المبدأ والمصلحة.

لكن، وسط هذا الخطاب الهادئ، تبقى أسئلة النقد قائمة:
هل يمكن فعلاً لواشنطن أن تكون راعية سلام بعد أن كانت شريكًا في الحرب؟
وهل لجنة التكنوقراط التي يُفترض أن تدير غزة ستكون جسرًا للوحدة أم مقدّمةً لانقسامٍ جديد؟
ثم أين البعد القانوني والعدالة الدولية في بيانٍ يكتفي بالدعوة دون المحاسبة؟

مع ذلك، فإن البيان يحمل دلالة رمزية عميقة: أن المنطقة بدأت تبحث عن سلامٍ يصنعه العقل لا السلاح، وعن خطابٍ يجمع القاهرة وأنقرة والرياض والدوحة على نغمةٍ واحدة، بعد سنواتٍ من الفُرقة.
إنه بيان يقول — بين سطوره — إن الدم الفلسطيني لم يعد يُترجم فقط في نشرات الأخبار، بل في ضميرٍ دبلوماسيٍّ جديدٍ يحاول أن يكتب فصلاً مختلفًا من التاريخ.

ربما لا يوقف البيان قصف الطائرات، لكنه يفتح نافذةً في جدار العتمة.
وربما لا يصنع سلامًا فوريًا، لكنه يمنح للرجاء وجهًا سياسيًا قابلًا للحياة.

ففي مرآة هذا البيان، تبدو غزّة واقفةً على حافة رمادها…
لكن في عينيها، ما زال الحُلم يشتعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى