
السفير ويلمر عمر بارينتوس
سفير فنزويلا لدى مصر
في تاريخ فنزويلا المتخم بالعواصف السياسية، لا يسطع اسمٌ يثير من الجدل والانقسام مثل اسم ماريا كورينا ماتشادو — تلك السياسية اليمينية المتطرفة التي تحوّلت عبر عقدين إلى رمزٍ للخصومة، لا للمصالحة، وإلى لسانٍ يُغذّي المواجهة لا الحوار.
ورغم أن بعض وسائل الإعلام الغربية باتت تصوّرها اليوم على أنها “إصلاحية ديمقراطية”، بل وطرحتها ضمن الأسماء المرشحة لـ جائزة نوبل للسلام لعام 2025، إلا أن سجلّها السياسي يكشف وجهًا آخر — وجهًا غارقًا في التحريض والعنف والدعوات الصريحة للتدخل الأجنبي ومحاولات إسقاط النظام بالقوة.
🕯️ من “سوماتي” إلى انقلاب 2002: ميلاد نجم من رماد الفوضى
ظهرت ماتشادو في مطلع الألفية كمؤسِّسة لمنظمة “سوماتي”، وهي منظمة غير حكومية تلقت تمويلًا من وكالات أميركية تحت شعار “تعزيز الديمقراطية” — وهو الشعار الذي رأى فيه منتقدوها غطاءً ناعمًا للتدخل الخارجي في الشأن الفنزويلي.
وفي أبريل 2002، وقّعت ماتشادو على مرسوم كارمونا الشهير الذي أعلن حلّ البرلمان والمؤسسات الدستورية، ونصّب رجل الأعمال بدرو كارمونا حاكمًا مؤقتًا بعد الإطاحة بالرئيس هوغو تشافيز.
لم يدم الانقلاب سوى 48 ساعة، لكنه خلّف ندوبًا عميقة: ملاحقات واعتقالات وحرق مقار إعلامية، وأزمة ضربت شريان النفط الفنزويلي. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم ماريا كورينا بمشروع الانقلابات لا بالإصلاحات.
💣 خيوط العنف: من “لا ساليدا” إلى الشوارع المشتعلة
عام 2011، افتعلت ماتشادو حادثة إطلاق نار وهمية خلال حملتها الانتخابية، سرعان ما كُشف زيفها عبر سجلات اتصالاتها.
لكن ذروة العنف جاءت عام 2014 حين قادت مع المعارض ليوبولدو لوبيز حملة “لا ساليدا” (الخروج) — التي تحولت إلى موجة عنف دامي عُرفت محليًا باسم غواريمباس.
النتيجة: عشرات القتلى، مئات الجرحى، وأحياء بأكملها تحوّلت إلى ساحات حرب. بل إن أحد المواطنين أُحرق حيًّا على يد متظاهرين معارضين، وسط صمتٍ دولي غريب.
⚔️ حين تطلب “السلام” على فوهة دبابة
في منظمة الدول الأميركية (OAS) عام 2014، اعتلت ماتشادو المنصة — بعد أن انتحلت مقعد مندوبة بنما — لتدعو علنًا إلى تفعيل الميثاق الديمقراطي ضد فنزويلا، أي لتبرير تدخل خارجي.
وفي عام 2019، أثناء محاولة إدخال “المساعدات الإنسانية” عبر الحدود الكولومبية بقيادة خوان غوايدو، صرّحت بوضوح:
“على المجتمع الدولي ألا يكتفي بالدعم، بل عليه أن يدخل.”
تصريحٌ اعتبرته كراكاس دعوة صريحة لغزو عسكري.
💀 عقوبات وجوع وهجرة.. بأصابع وطنية
كانت ماتشادو أول من طالب بفرض العقوبات الأميركية على بلدها عام 2015.
عقوباتٌ تحوّلت إلى حصار اقتصادي دمّر منظومة الصحة، وأفقر ملايين المواطنين، ودفع أكثر من ستة ملايين فنزويلي إلى الهجرة.
وفي مفارقة مريرة، خاطبت لاحقًا تلك الجموع المهاجرة بوعد “العودة” — متناسية أنها كانت من دعاة الجوع لا منقذيه.
🧨 من الغاز إلى السفارة.. خيوط الإرهاب المتشابكة
بحسب أجهزة الأمن الفنزويلية، ارتبط اسم ماتشادو بعدة عمليات تخريب وتفجير استهدفت البنى التحتية الوطنية، منها:
- محاولة تفجير سدّ “غوري” الكهرومائي عام 2019.
- تفجير مجمع “موسكار” للغاز بولاية موناغاس.
- مخطط 2025 لاستهداف السفارة الأميركية في كراكاس، بهدف استدراج تدخل عسكري مباشر.
كما تحدثت تقارير عن تنسيقٍ سري بينها وبين إريك برنس، مؤسس شركة المرتزقة الأميركية بلاك ووتر، لتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب.
🧩 الفساد والخيانة والفضائح
عام 2015، أعلن المراقب العام الفنزويلي حرمانها من تولي أي منصب عام بسبب قضايا فساد، وأكّدت المحكمة العليا القرار في يناير 2024.
وفي العام نفسه، فتحت النيابة العامة تحقيقًا ضدها بتهمة الخيانة العظمى بعد دعمها لمشروع قانون أميركي لزيادة العقوبات.
كما ورد اسمها في فضيحة “الكوكوتاسو”، التي كشفت اختلاس أموال مخصصة للمساعدات الإنسانية المزعومة في عهد غوايدو.
🕎 من تل أبيب إلى واشنطن.. تحالفات على مقاس التطرف
تتباهى ماتشادو بعلاقاتها الوثيقة مع اليمين الصهيوني، وتعهدت بنقل سفارة فنزويلا إلى القدس وإعادة العلاقات الكاملة مع إسرائيل.
وفي عام 2018، وجّهت رسائل رسمية إلى بنيامين نتنياهو وماوريسيو ماكري، تطلب منهما دعم تدخل عسكري ضد وطنها.
🔥 بعد الانتخابات.. “الكوماندوس” في الشوارع
عقب انتخابات يوليو 2024 التي رفضت نتائجها، شهدت البلاد اضطرابات عنيفة. واتهمها المدّعي العام طارق ويليام صعب بتأسيس “كوماندوسات” مسلّحة تسببت في مقتل 25 شخصًا وإصابة قرابة 200.
⚖️ خاتمة: حين تُمنح الحربُ جائزة السلام
يراها مؤيدوها رمزًا للمقاومة، ويرى خصومها قناعًا ديمقراطيًا يخفي مشروعًا تخريبيًا.
تاريخها — من انقلاب 2002 إلى فوضى 2024 — لا يروي سيرة مناضلة بل ملحمة صدامٍ مستمرٍّ مع الوطن.
ومع ذلك، يتردّد اسمها اليوم بين قوائم المرشحين لـ جائزة نوبل للسلام!
ويبقى السؤال الذي يجلجل في الضمائر:
هل يمكن أن تُتوَّج بالسلام من تزرع الخراب في أرضها؟



