
أشرف أبو عريف
في منتصف أكتوبر 2025، تنبض مدينة فرغانة في قلب آسيا الوسطى بإيقاع جديد من الأمل. فهذه المدينة التاريخية، التي كانت يومًا مفترق طرق للحضارات والثقافات، تستعد لاحتضان المنتدى الأول للسلام في فرغانة تحت شعار «وادي فرغانة: توحيد الجهود من أجل السلام والتقدم».
غير أن الحدث لا يُختزل في كونه لقاءً دبلوماسيًا فحسب، بل هو تحوّل رمزي عميق؛ إذ يعكس إرادة المنطقة في الانتقال من صفحات التوتر إلى عصر جديد من الحوار والتعاون والتعايش.
المنتدى، الذي يُعقد خلال يومي 15 و16 أكتوبر، يهدف إلى إرساء منصة دائمة لتعزيز الثقة المتبادلة، وتطوير رؤية مشتركة للتنمية المستدامة في وادي فرغانة — المنطقة التي تتقاسمها أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان، والتي كانت لقرون مهداً للتعدد والتلاقي الثقافي.
ملتقى الدبلوماسية والإنسانية
ينظم المنتدى معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئاسة جمهورية أوزبكستان، بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، والمعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI)، ومنصة بناء السلام الدولية (Peacebuilding Hub)، إلى جانب مؤسسات بحثية من قرغيزستان وطاجيكستان.
ويشارك في المنتدى أكثر من 300 شخصية دولية من آسيا الوسطى ورابطة الدول المستقلة وأوروبا وآسيا والأميركيتين، من بينهم شخصيات رفيعة مثل:
- كها إمنادزه، رئيس بعثة الأمم المتحدة لآسيا الوسطى (UNRCCA)
- إدوارد ستيبرايس، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لآسيا الوسطى
- كيت فيرون، مديرة مركز منع النزاعات في منظمة الأمن والتعاون
- كايرات ساريباي، الأمين العام لمنظمة التعاون في آسيا (CICA)
- سهيل خان، نائب الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون
السلام بصوت الجميع
ما يميز المنتدى الأول للسلام في فرغانة هو شموليته؛ فهو لا يقتصر على صُنّاع القرار، بل يمنح مساحة حقيقية لتمثيل المرأة والشباب والمجتمع المدني، إدراكًا بأن السلام الدائم لا يُصنع في قاعات المؤتمرات فقط، بل في وجدان الشعوب.
وتشارك في المنتدى مؤسسات عالمية رائدة في بناء السلام مثل:
مؤسسة بيرغهوف (ألمانيا)، مؤسسة مارتّي أهتيساري (فنلندا)، مؤسسة بيس نيكسوس (سويسرا)، ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، لتبادل الخبرات حول المصالحة والتماسك الاجتماعي.
“يوم الانتيمـاق”.. عيد التنوع والوحدة
وسيُحتفل لأول مرة في إطار المنتدى بـ «يوم الانتيمـاق» (يوم الوحدة)، وهو تقليد رمزي جديد يحتفي بروح التنوع الثقافي والعرقي في وادي فرغانة، ويؤكد أن الاختلاف ليس عائقًا بل مصدر قوة.
من الخيال إلى الواقع
في كلمته أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس شوكت ميرضيائيف:
“لقد انتهى عصر الحدود المغلقة والنزاعات في آسيا الوسطى. لقد زاد حجم التجارة والاستثمارات والتواصل بين بلداننا خمسة أضعاف، ونشهد الآن قيام مناطق صناعية وتجارية مشتركة ومشروعات بنية تحتية كبرى.“
هذه الرؤية تُجسّد روح المنتدى، وتعكس نهج أوزبكستان الجديد في الدبلوماسية الإقليمية — نهج يقوم على الانفتاح والثقة والتكامل.
آسيا الوسطى.. فصل جديد من الحكاية
من جهته، صرّح إلدور عريـبوف، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية:
“يهدف منتدى فرغانة إلى رسم صورة جديدة للوادي كفضاء للسلام والوئام والفرص، يبرهن أن الإرادة السياسية لقادة المنطقة، ووحدة شعوبها، قادرة على صنع الاستقرار والازدهار.“
قراءة تحليلية
المنتدى الأول للسلام في فرغانة لا يُعدّ حدثًا محليًا فحسب، بل هو رسالة استراتيجية تعيد تموضع آسيا الوسطى كفاعل إقليمي مستقل يصوغ مساره بنفسه.
فمن خلال دمج الشراكة الدولية مع الملكية الإقليمية، يسعى المنتدى إلى صياغة نموذجٍ فريدٍ للسلام المحلي يمكن أن يُلهم مناطق أخرى من العالم.
موضوعاته — من الاستقرار والتنمية المستدامة إلى التكامل الثقافي وتمكين المجتمع المدني — تُجسّد فلسفة أوزبكستان الجديدة في بناء الجسور لا الحواجز.
خاتمة
إنّ فرغانة، بموقعها الجغرافي وتاريخها العريق، تتحوّل اليوم إلى رمزٍ شعريٍّ لنهضة آسيا الوسطى؛ حيث تلتقي أنهار التاريخ والإنسانية لتُعيد إلى العالم درسًا بسيطًا وعميقًا:
السلام لا يُمنح من القوى الكبرى، بل يُبنى بين الجيران الذين اختاروا أن يحوّلوا اختلافهم إلى انسجام.



