رئيس التحريرسلايدر

«السلام 2025».. هدنة مشروطة أم صفقة بلا سيادة؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في لحظةٍ تتقاذفها نيران الحرب وتطلّعات السلام، برزت إلى العلن ما بات يُعرف بـ «خطة السلام 2025»، التي أُعلن عنها في أواخر سبتمبر الماضي من قِبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة جديدة لوضع حدٍّ للصراع في غزة الذي طال أمده واستنزف البشر والحجر.
الخطة التي تضم نحو عشرين بندًا جاءت في إطار تفاوضي يتحدث عن وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإعادة الإعمار، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، تحت إشراف إدارة فلسطينية «تكنوقراطية» مستقلة عن حماس، وبضمانات أمنية لصالح إسرائيل.

ما بين المبدأ والتطبيق

تبدو الخطة للوهلة الأولى بارقة أمل إنسانية، إذ تَعِد بوقف فوري للقتال، وفتح المعابر، وتخفيف الحصار، وإطلاق الأسرى من الجانبين، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة لغزة.
لكنّ القراءة المتأنّية تكشف أن هذه البنود مرهونة بسلسلة من الشروط الأمنية والسياسية، تجعل من تنفيذها أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تسوية تاريخية. فكل خطوة فلسطينية نحو الإعمار أو الحكم الذاتي مشروطة بـ«نزع السلاح» و«ضمان الأمن الإسرائيلي»، ما يكرّس واقعًا من التحكّم الإسرائيلي غير المباشر في تفاصيل الحياة داخل القطاع.

مكاسب إسرائيلية واضحة

لا يخفى أن الخطة تمنح بنيامين نتنياهو مساحة للمناورة السياسية في الداخل الإسرائيلي، بعد شهور من الانتقادات بشأن إدارة الحرب. فهي تقدّمه في صورة «رجل السلام» الذي استطاع تحقيق وقف إطلاق نار مع الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي.
كما أن بند نزع سلاح حماس يمنحه مكسبًا استراتيجيًا أمام خصومه في اليمين المتشدد، فيما يشكّل إشراف الولايات المتحدة على الخطة درعًا دبلوماسيًا يحميه من الضغوط الأوروبية والأممية المتزايدة.

مكاسب إنسانية مؤقتة للفلسطينيين

على الجانب الفلسطيني، تمثل الخطة متنفسًا مؤقتًا يخفف المأساة الإنسانية المتفاقمة، ويفتح بابًا محدودًا أمام الإعمار والمساعدات.
لكنّها في جوهرها لا تتحدث عن الدولة الفلسطينية ولا عن حدودها أو عاصمتها أو قضية اللاجئين، وهي قضايا جوهرية لأي تسوية عادلة.
بل إنها، بحسب مراقبين، تسعى إلى إدارة الصراع لا إنهائه، عبر تحويل غزة إلى كيان إداري منزوع السلاح، بلا سيادة ولا استقلال سياسي، بينما تبقى الضفة الغربية في معادلة تفاوضية مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمّى.

غياب الاعتراف بالدولة الفلسطينية

لم تتضمّن الخطة أي إشارة صريحة إلى الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، بل اكتفت بالحديث عن «إدارة فلسطينية» انتقالية، وهو ما يُعدّ تراجعًا عن الأسس التي تبنّتها الأمم المتحدة و«الرباعية الدولية» منذ عقود.
ففي حين تتمسك القرارات الدولية بحلّ الدولتين على حدود 1967، تفتح «السلام 2025» الباب أمام حلٍّ إداريٍّ هشّ لا يمنح الفلسطينيين السيادة الكاملة، بل يربط مصيرهم بالالتزامات الأمنية لإسرائيل.

بين السياسة والرماد

يدرك المراقب أن كل مبادرة تحمل في طيّاتها بعدين: إنسانيًّا عاجلًا، وسياسيًّا مؤجَّلًا.
ومع أن «السلام 2025» قد تُسهم في تخفيف آلام الحرب، إلا أنَّ غياب الضمانات القانونية والسياسية يجعلها صفقة هشّة تُسكن النار دون أن تُطفئ جذوتها.
فكيف يمكن سلامٌ تُحدّد شروطه القوة، وتُقيَّد فيه السيادة، ويُترك فيه الشعب الفلسطيني بلا أفقٍ سياسي واضح؟

سؤال ما بعد الهدنة

يتساءل كثيرون: هل هي حقًا خطة سلام، أم صفقة أمنية بوجهٍ إنساني؟
هل ستكون مقدمة لحلٍّ دائم أم جسرًا نحو تهدئة تُبقي الاحتلال قائمًا؟
إن الإجابة رهنٌ بمدى استعداد المجتمع الدولي، والعرب تحديدًا، لتحويل الهدنة إلى مسار سياسي حقيقي يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، لا مجرد إدارة مؤقتة تحت الوصاية.

الخلاصة

خطة «السلام 2025» ليست إعلان حرب، لكنها أيضًا ليست سلامًا منصفًا.
هي تسوية ميدانية بملامح إنسانية، تُنقذ الأرواح لكنها تؤجّل العدالة، وتُرضي واشنطن وتُنعش نتنياهو، لكنها تترك الفلسطينيين عالقين بين هدنةٍ بلا أفق ودولةٍ بلا اعتراف.

ويبقى السؤال:

هل يمكن لسلامٍ يُفرض من فوق البنادق أن يصنع سلامًا يزهر في وجدان الشعوب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى