نوافذ الشمال وآفاق الشرق: ملامح الشراكة الأوزبكية – الفنلندية في زمن التحوّل الأخضر

✍️ أفزال أرتيكوف
الباحث الرئيسي في مركز البحوث الاقتصادية والإصلاحات التابع لإدارة رئيس جمهورية أوزبكستان
تشكل صلابة النموذج التنموي الفنلندي وحيوية الإصلاحات الأوزبكية قاعدة متينة لبناء تعاون ثنائي متجددٍ يقوم على الابتكار والاستدامة. فقد جمعت فنلندا بين الريادة التكنولوجية والإدارة الكفؤة والسياسات الاجتماعية الرشيدة، ضمن نموذجٍ متوازنٍ يجمع بين التنظيم الحكومي الفعّال ونشاط القطاع الخاص القائم على التخطيط طويل الأمد والعدالة الاجتماعية.
تحافظ فنلندا على سياسة اقتصادية متوازنة تبقي معدلات التضخم بين 2 و3 بالمئة، وتحتفظ بتصنيفٍ ائتماني مرتفع (AA+). كما تُعدّ البنية البحثية الوطنية محورًا رئيسيًا في استراتيجيتها التنموية، إذ تجاوز الإنفاق على البحث والتطوير 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل إلى 8.4 مليارات يورو عام 2023 بزيادة 6.3% عن العام السابق، بتمويلٍ من الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
اقتصاد فنلندا، المنفتح على العالم، يعتمد على التصدير والتكامل مع الأسواق الدولية. ففي عام 2024 بلغ حجم التجارة الخارجية 146.5 مليار يورو، منها 72.2 مليار يورو صادرات و74.3 مليار يورو واردات. وتُعدّ التكنولوجيا الرقمية المتقدمة، ورأس المال البشري المؤهل، والعوامل المؤسسية المستقرة من أبرز مقومات جذب المستثمرين.
في المقابل، أصبحت أوزبكستان خلال السنوات الثماني الماضية محركًا رئيسيًا للإصلاح في آسيا الوسطى، إذ تضاعف ناتجها المحلي الإجمالي ليصل إلى 115 مليار دولار. ومنذ عام 2017، بلغت الاستثمارات في رأس المال الثابت نحو 240 مليار دولار، منها أكثر من 130 مليارًا من مصادر أجنبية، بينما تجاوزت الاحتياطيات الدولية 48 مليار دولار. وقد تطور هيكل الإنتاج بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت حصة الصناعة من 20 إلى 26%، والخدمات من 44 إلى 47%، وزادت إنتاجية العمل بنسبة 45%.
أثمرت الإصلاحات عن نموٍّ ملحوظ في التجارة مع الاتحاد الأوروبي، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي 2.4 مرة من 2.6 إلى 6.4 مليارات دولار بين عامي 2017 و2024، مع زيادةٍ في الصادرات بنسبة 27% عام 2024 مقارنة بعام 2023.
مرحلة جديدة من العلاقات السياسية والاقتصادية
تشهد العلاقات الأوزبكية – الفنلندية زخمًا متجددًا مدعومًا بتواصلٍ سياسي رفيع المستوى. ففي 12 نوفمبر 2024، التقى الرئيس شوكت ميرضيائيف بنظيره الفنلندي ألكسندر ستوب على هامش قمة المناخ (COP29) في باكو، حيث بحثا آفاق التعاون في الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والابتكار والتعليم.
واستمر الحوار السياسي عبر اتصالٍ هاتفي في 9 سبتمبر 2025، استعرض خلاله الرئيسان سبل توسيع التعاون الاقتصادي والإنساني. كما يُنتظر أن يقوم الرئيس الفنلندي بزيارةٍ رسمية إلى أوزبكستان أواخر أكتوبر 2025 لترسيخ ما تم التوصل إليه من تفاهمات وفتح آفاقٍ جديدة للشراكة.
هذا التفاعل السياسي أسهم في تهيئة بيئةٍ مواتية لتعزيز التعاون التجاري والتكنولوجي، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري ثلاث مرات بين عامي 2019 و2024 ليصل إلى 152 مليون دولار. وارتفعت الصادرات الأوزبكية إلى فنلندا نحو 17 مرة لتبلغ 4.73 ملايين دولار، بينما تضاعفت الواردات الفنلندية ثلاث مرات لتصل إلى 147 مليون دولار. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، تجاوز حجم التبادل التجاري 68 مليون دولار.
آفاق التعاون العملي
يستند جدول الأعمال الجديد للتعاون الاقتصادي إلى الخبرة الفنلندية في مجالات الهندسة، والتكنولوجيا النظيفة، والرعاية الصحية الرقمية، والتعليم، وإدارة البحث والتطوير — وهي مجالات تتقاطع مع أهداف أوزبكستان في التجديد التكنولوجي وكفاءة الطاقة وتنمية رأس المال البشري.
وتُعد بيئة الأعمال الأوزبكية المواتية ومشروعات البنية التحتية الكبرى عوامل رئيسية لجذب الشركات الفنلندية، خصوصًا في القطاعات ذات الميزة النسبية مثل المنسوجات، والجلود، والمنتجات الحجرية والإسمنتية، والفواكه والمكسرات، والنحاس ومنتجاته نصف المصنعة.
كما يمكن تنظيم الخدمات اللوجستية عبر موانئ هلسنكي وهميناكوتكا، مع إمكانية استخدام ميناء توركو كميناءٍ احتياطي. وتُعد شركات كبرى مثل Kesko وS Group قنوات توزيع رئيسية للسلع الأوزبكية، شريطة الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي وتوفير سلاسل توريدٍ مستقرة.
في المجال الصناعي، يمكن التوسع في التصنيع المتكامل للملابس الصوفية والقطنية، بالتعاون مع شركات فنلندية مثل Lapuan Kankurit وPirtin Kehräämö، إلى جانب التعاون الأكاديمي مع جامعة آلتو للفنون والتصميم والعمارة.
وفي الزراعة، يمكن إطلاق برامج تربية مشتركة باستخدام السلالات الفنلندية من الأغنام بدعم من معهد الموارد الطبيعية الفنلندي (LUKE) لتقوية القاعدة الخام لمجمّعات النسيج في أوزبكستان.
وفي مجالات التحول الرقمي والبيئي، يمكن تعزيز التعاون في شبكات الاتصالات وإدارة الأنظمة الحيوية مع شركات مثل Nokia، كما تبرز فرص لتوطين مكونات أنظمة الطاقة الشمسية وتخزينها، وتطوير الشبكات الذكية، بمشاركة شركات مثل Valoe وFortum Solar وWärtsilä.
وفي العلوم التطبيقية، يُمكن لمؤسسات مثل VTT وجامعة LUT أن تسهم في بناء قاعدةٍ بحثية وتكنولوجية مستدامة داخل أوزبكستان، مما يفتح مجالات تصديرٍ إقليمية جديدة.
كما تمتلك أوزبكستان فرصًا للتعاون في مجال الهندسة الميكانيكية مع Metso وValmet لتصنيع المكونات والمعدات، وفي قطاع النقل والمناولة مع Konecranes وCargotec، وفي مجال الرصد المناخي ومعالجة المياه مع Vaisala وKemira.
رأس المال البشري… حجر الأساس
يبقى تطوير رأس المال البشري أولويةً عابرة للقطاعات، إذ تسعى طشقند إلى إقامة برامج مشتركة مع جامعات هلسنكي وتمبيري وأولو لتدريب المهندسين والتقنيين ومديري الجودة وفق المنهج الفنلندي المتميز في التعليم التطبيقي.
ولتحقيق تقدم مؤسسي أكبر، ستحتاج الشراكة إلى تنسيقٍ في الإجراءات الجمركية، وإطلاق “ممرات خضراء”، وتطبيق الأنظمة الرقمية الحديثة، وضمان الاعتراف المتبادل بالشهادات الصناعية، فضلًا عن تطوير مناطق صناعية وزراعية متخصصة ومراكز لوجستية وبرامج تدريبية متقدمة.
نحو شراكةٍ استراتيجيةٍ مستدامة
تسير العلاقات الأوزبكية – الفنلندية بخطى ثابتة نحو مسارٍ طويل الأمد من التعاون المتكامل. فأوزبكستان تمثل لفنلندا شريكًا موثوقًا في التصنيع والتوريد، بينما تفتح فنلندا أمام أوزبكستان أبواب التكنولوجيا المتقدمة والأسواق الأوروبية الشمالية.
إن الجمع بين كفاءة الإدارة الفنلندية وروح الإصلاح الأوزبكية يخلق نموذجًا فريدًا للتنمية المستدامة. إنها شراكة تجمع بين برودة الشمال ودفء الشرق، لتكتب فصلًا جديدًا في دبلوماسية الاقتصاد الأخضر وصناعة المستقبل.



