هل يفعلها العرب؟!

رئيس التحرير يكتب
لحظة قانونية غير مسبوقة.. أصدرت النيابة العامة في إسطنبول مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و36 مسؤولاً عسكرياً وسياسياً، بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية في غزة. القرار التركي مثّل سابقة عالمية، ليس فقط من حيث الاتهام المباشر، بل من حيث استخدام دولة كبرى مبدأ “الولاية القضائية العالمية” بشكل معلن ضد قادة دولة أخرى.
هذا التطور يفتح الباب أمام نقاش واسع:
هل يمكن للدول العربية أن تذهب في الاتجاه نفسه؟
أولاً: ماذا يعني القرار التركي؟
1. استخدام دولة لمبدأ الولاية القضائية العالمية
قررت تركيا تطبيق مبدأ قانوني متقدّم، يقضي بحق أي دولة في ملاحقة الجرائم الدولية الكبرى حتى إن لم تقع على أراضيها. هذا المبدأ موجود في تشريعات دول أوروبية عديدة، لكن نادراً ما استخدمته دولة إقليمية بهذا الوضوح ضد إسرائيل.
2. توجيه تهم “الإبادة” وليس فقط “جرائم الحرب”
هذا تطور بالغ الأهمية. فاتهام نتنياهو بالإبادة يضع إسرائيل أمام أخطر توصيف قانوني يمكن أن تواجهه دولة أو قيادة سياسية، نظراً لإجماع القانون الدولي على أن جريمة الإبادة لا تسقط بالتقادم.
3. رسالة سياسية بأدوات قانونية
رغم أن فرص تنفيذ المذكرة محدودة، إلا أن رسالة تركيا أوصلت أن “الحصانة التاريخية لإسرائيل تتآكل”، وأن العالم لم يعد يقبل روايتها الرسمية.
ثانياً: السوابق العربية – دروس التاريخ القريب
1. التجربة السودانية مع المحكمة الجنائية الدولية
صدور مذكرات توقيف دولية بحق الرئيس السابق عمر البشير أظهر أن المذكرات وحدها لا تكفي. فهي تعتمد على موازين القوى السياسية أكثر مما تعتمد على قوة القانون.
2. المحكمة الدولية الخاصة بلبنان
رغم صدور أحكام في قضية اغتيال الحريري، ظل التنفيذ محدوداً جداً، ما يؤكد أن القضاء الدولي يحتاج إلى توافقات سياسية واسعة كي يكون فعالاً.
3. التحركات الفلسطينية المتواصلة أمام الجنايات الدولية
قدّمت السلطة الفلسطينية ملفات قوية ضد إسرائيل حول الاستيطان وجرائم غزة، لكنها لا تزال داخل “بطء متعمد” من المحكمة، تحت ضغط سياسي غربي كبير.
4. تجربة الكويت بعد الغزو العراقي
نجحت الكويت في تحويل قضيتها إلى سياق دولي ملزم، ما نتج عنه لجنة تعويضات أممية. التجربة تُظهر أن العرب قادرون على تحقيق نتائج كبرى عندما يتوفر إجماع دولي.
ثالثاً: لماذا يملك العرب أدوات قوية مشابهة لتركيا؟
1. بيئة قانونية جاهزة
كثير من الدساتير العربية تتضمن مواد تسمح بملاحقة الجرائم الدولية، وبعضها يعترف بالولاية القضائية العالمية، نظرياً على الأقل.
2. ملف فلسطيني غني بالأدلة
القضية الفلسطينية هي أكثر قضية موثّقة في العالم من حيث الأدلة والشهادات والفيديوهات والقرارات الأممية، ما يجعل أي تحرك قانوني مبنياً على أساس صلب.
3. تعاطف دولي غير مسبوق
هناك تغير في المزاج العالمي تجاه إسرائيل، وخاصة بعد صور الضحايا المدنيين في غزة، ما يمنح العرب فرصة لرفع السقف السياسي.
رابعاً: ما الذي يمنع العرب من اتخاذ خطوة مشابهة؟
1. الحسابات السياسية والعلاقات الإقليمية
بعض الدول العربية لديها علاقات مع إسرائيل أو تعتمد في ملفات أمنية وسياسية على دول غربية، مما يجعل التحرك القانوني المعادي لإسرائيل غير مرغوب دبلوماسياً.
2. خشية فتح ملفات مضادة
بعض الدول العربية تتحفظ على الانخراط العميق في القضاء الدولي خشية أن يؤدي ذلك إلى فتح ملفات داخلية ضدها.
3. غياب التنسيق العربي
القرار التركي صدر من دولة واحدة ذات إرادة مركزية. أما الدول العربية فغالباً ما تعمل في مسارات متباعدة ومترددة.
خامساً: هل يفعلها العرب؟… الإجابة المشروطة
1. نعم، إذا توفرت الإرادة
قانونياً… لا يوجد ما يمنع.
سياسياً… العقبة في القرار وليس في النصوص.
2. نعم، إذا ظهرت دولة عربية “قائدة” تثبت النموذج
دولة عربية واحدة فقط – مثل الجزائر، قطر، الكويت، المغرب أو تونس – إذا تبنت خطوة مشابهة، فستفتح الباب لبقية دول المنطقة لمجاراة المسار.
3. نعم، إذا أدرك العرب أن القانون أصبح أداة سياسية
القرار التركي أثبت أن القانون يمكن أن يُستخدم “كسلاح ناعم” في الصراعات الدولية، وأن المذكرة – حتى لو لم تُنفذ – تصنع تغييراً في صورة إسرائيل عالمياً.
سادساً: ماذا يمكن للعرب أن يفعلوا فعلاً الآن؟
1. تأسيس “حلف قانوني عربي” ضد الجرائم الإسرائيلية
يتضمن:
- توحيد اللجان القانونية
- جمع الأدلة
- رفع الدعاوى أمام المحاكم الدولية والمحاكم الأوروبية
- دعم ملفات فلسطين في الجنايات الدولية
2. تقديم مذكرات توقيف محلية رمزية
حتى لو لم تنفذ، فإن أثرها الإعلامي والسياسي كبير.
3. دعم الخطوة التركية رسمياً
مجرد إعلان دولة عربية تأييدها لمذكرة إسطنبول سيكون سابقة مهمة.
وختاماً: تركيا سبقت… والعرب قادرون إن أرادوا
قرار النيابة العامة في إسطنبول ضد نتنياهو ليس مجرد إجراء قضائي؛ إنه مؤشر على سقوط تدريجي لأسطورة حصانة إسرائيل.
ويبقى السؤال السياسي الكبير: هل يتحرك العرب؟
الإجابة ليست في القانون، بل في قرار جريء يحتاج إلى دولة عربية تُدرك أن اللحظة قد تكون تاريخية… وأن العالم يتغير.



