تحليل | السفير صالح موطلو شن… ‘شاعر’ الدبلوماسية الذي جمع مصر وتركيا في ليلة سينمائية واحدة

أشرف أبو عريف يكتب
في تلك الليلة التي مشى فيها الضوء على استحياء…
في مساءٍ يلمع مثل صفحة نهرٍ هادئ،
وفي بيتٍ تركيٍّ يطلّ على القاهرة كما تطلّ نافذة على التاريخ،
اجتمعت الأرواح قبل الأسماء،
والحكايات قبل الكلمات،
والفنّ قبل البروتوكول.
كانت الليلة تشبه لحناً عثمانياً قديماً
يصافح مقاماً مصرياً من زمن أم كلثوم،
وكانت الوجوه تضيء القاعة
كأنها نجومٌ هبطت لتحرس الاحتفال.
هناك…
حيث تلتقي ذاكرة السينما التركية بنبض القاهرة،
وحيث تتشابك الألحان كما تتشابك الأنهار،
أقام السفير صالح موطلو شن أمسيةً لا تُشبه إلّا نفسها؛
أمسية أرادت أن تقول للعالم:
إن الفنّ حين يتوحد… يصبح وطناً أكبر من الجغرافيا.
صلاة الضوء: كلمة السفير… نبراسٌ بين ضفتين
السيدات والسادة،
الضيوف الكرام…
أرحّب بكم في هذا البيت الذي يفتح أبوابه كقلبٍ يفيض محبة،
لنحتفل معاً بالوفد التركي المشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي – دورته السادسة والأربعين،
المهرجان الذي لا يشهد الأفلام فقط،
بل يشهد العصور وهي تتبدّل،
والقصص وهي تبحث عن مصائرها على الشاشة.
من القاهرة… المدينة التي تختزن ذاكرة الشرق،
إلى تركيا… التي تمدّ يدها من الأناضول حتى أوروبا،
يمتد جسرٌ من الحكمة والجمال،
تقوده السينما، ويتغذّى على الإبداع.
النجوم حين تقترب: حضور يتوهّج في ليل القاهرة
كان بيننا الليلة الفنان الكبير حسين فهمي،
رجلٌ يشبه في حضوره تاريخاً من الضوء.
وكان بيننا صنّاع السينما الأتراك—
مخرجون، ممثلون، كتّاب، ومنتجون—
كلٌّ منهم يحمل معه قطعة من روحه
ليضعها قرب قلب القاهرة.
وكان على رأس الوفد التركي
السيد بيرول جوفن،
رجلٌ آمن بأن الدراما التركية ليست صوراً متحركة فقط،
بل رسالة…
وعطر وطن.
ويزيد الليلة سحراً، وجود المخرج الفيلسوف
نوري بيلغي جيلان،
رئيس لجنة التحكيم الدولية،
الذي يصوّر صمتَ البشر
كأنه لغةٌ أخرى لا يتقنها إلّا الفنّانون.
حين يلتقي الفيلمان: ذاكرة مصر… وبداية تركيا
إن السينما المصرية—
في ثلاثينياتها وأربعينياتها وخمسينياتها—
لم تكن مجرّد عصرٍ ذهبي…
كانت شمساً.
توهّجت تلك الشمس على شاشات تركيا،
فألهمت مخرجين، وغيّرت أذواقاً،
وأعادت تشكيل ملامح أول جيل تركي
يحلم بالشاشة الكبيرة.
من القاهرة بدأت الحكاية…
ومن إسطنبول اكتملت.
ومن بين أصابع الموسيقار سدتين كايناك
مرّت ألحان خمسة وثمانين فيلماً مصرياً
لتصبح جزءاً من هواء تركيا،
وجزءاً من ذاكرتها الموسيقية.
أيقونات خالدة: موسيقى تفيض عبر الحدود
في تركيا…
ما زال اسم عمر الشريف يتردّد كدعاء جميل.
أما يوسف شاهين…
فهو نبيّ الصورة عند كثير من المخرجين الأتراك.
وأمّا أم كلثوم…
فهي الصوت الذي يأتي من السماء،
صوتٌ لا يبحث عن جمهور…
بل عن قلوب.
لقد جمعت السينما والموسيقى بين البلدين
كما يجمع البحر بين موجتين
لا تنفصلان وإن تباعدتا.
وفاء الزمن: رسالة إلى حسين فهمي
قال السفير مخاطباً الفنان حسين فهمي:
“لم أنسَ مكالمتنا الأولى…
ولا تلك اللحظة التي وعدتَ فيها بأن يعود الجسر بين القاهرة وأنقرة.
واليوم… أوفيتَ بالوعد،
فها هي تركيا هنا—
أفلامها، نجومها، ورئيس لجنتها الدولية.”
قصص تنتظر ضوء الكاميرا: من زينب كامل هانم إلى الحكايات المشتركة
ثم دعا السفير إلى فتح باب الإنتاج المشترك،
ليولد من جديد زمن يحكي رواياتنا المتشابكة:
- حكاية زينب كامل هانم—الأميرة العثمانية المصرية التي أنشأت مستشفى يحمل اسمها في إسطنبول منذ 1862.
- وحكايات أخرى منسية تنتظر من يوقظها،
من المؤرخ… ومن السيناريست…
ومن ضوء الكاميرا.
لمسات ليلية: حين تكتمل اللوحة بالغناء
اختتم السفير بشكر:
- رولا زكي التي ملأت الأمسية بصوتٍ من حرير.
- نيكولاس الذي أهدى الليلة لحظة مفاجِئة ستبقى في الذاكرة.
- وسورايا… اليد الهادئة خلف الستار،
نجمة لا تظهر… لكن لا يكتمل الليل بدونها.
دعوة بطعم الأناضول
ذكّر السفير الحضور بالعرس التركي التقليدي في 20 نوفمبر،
عرسٌ يشبه لون القمر فوق جبال الأناضول—
من موسيقى، وطعام، وبهجة،
مع تمنٍّ بأن يقدّم الحضور تبرّعاً رمزياً للهلال الأحمر المصري.
وختاماً..
للسينما التي تُبقي القلوب يقظة**
إلى السينما…
هذا الكائن الخفي الذي يجمع أبناء الأرض.
إلى الموسيقى…
لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
إلى تركيا ومصر…
بلدين يلتقيان في منتصف الطريق دائماً،
حيث لا ينطفئ الضوء،
ولا تهدأ الحكاية،
ولا ينتهي الشغف.



