العالم يشاهد فنزويلا… ويتذكر الشرق الأوسط: لماذا لا يثق أحد في واشنطن؟!

رئيس التحرير يكتب
بينما تحشد الولايات المتحدة سفنها وغواصاتها وطائراتها حول فنزويلا، تقف الدول الداعمة لكاراكاس—روسيا، الصين، إيران، كوبا، وتركيا—في وضعية لا تخلو من السخرية… فهي ترى المشهد وتتساءل:
هل واشنطن فعلاً ذاهبة لمحاربة المخدرات؟ أم تبحث عن نسخة محسّنة من سيناريو العراق وليبيا؟
أولاً: روسيا — “لن نسمح بتكرار فيلم بغداد في نصف الكرة الغربي”
روسيا، التي شاهدت كيف استخدمت واشنطن ذريعة “أسلحة الدمار الشامل” لغزو العراق، تقرأ الآن نفس النصّ القديم لكن بعنوان “الكارتل الإرهابي”.
وموسكو تعرف أن عمليات واشنطن السرّية لا تكتفي بالإسقاط، بل تتعداه إلى هندسة الفوضى بعد السقوط.
ولذلك تقف روسيا صارخة—بهدوء روسي طبعًا—:
“لن نسمح بأن تصبح فنزويلا مختبرًا لنسخة جديدة من الخداع الأميركي.”
روسيا تملك مصالح، نعم. لكنها قبل ذلك تملك ذاكرة طويلة.
ومَن شاهد الفوضى التي زرعتها أميركا في الشرق الأوسط، لا ينسى.
ثانياً: الصين — حاسبة الأرباح والخسائر… ورافضة لفوضى واشنطن
الصين التي ضخت مليارات في النفط الفنزويلي، تنظر إلى ترامب كمدير شركة مغامر قادر على تفجير الأسواق بحرب هنا وحصار هناك.
ولا يمكن للصين التي تبني “طريق الحرير” أن تثق في دولة تستخدم القوة العسكرية بدلًا من التفاوض.
والأهم:
الصين لم تنس بعد “لعبة هونغ كونغ” ولا “البحر الجنوبي”.
لذلك ترى في التصعيد ضد فنزويلا مجرد بروفة لما قد تفعله أميركا ضدها مستقبلاً.
ولهذا تقول للصوت العالمي:
“لن نسمح بأن تتحول القارة الأميركية إلى بوابة فوضى جديدة.”
ثالثاً: إيران — “تعرفنا جيدًا يا ترامب… ولن نكرر أخطاء غيرنا”
إيران التي واجهت:
- اغتيالات
- عقوبات
- حصاراً اقتصادياً
- تهديدات عسكرية
تفهم اللعبة أفضل من أي طرف آخر.
فهي تعلم أن واشنطن لا تبحث عن الاستقرار، بل عن تفكيك الخصوم وإضعافهم ثم تقديم الفوضى كبديل طبيعي.
لذلك، دعم إيران لفنزويلا ليس فقط اقتصادياً أو نفطياً، بل هو جزء من ردّ استراتيجي:
“إن كنتم تظنون أننا سنسمح لكم بإسقاط حليف لنا بهذه السهولة، فأنتم لا تفهمون قواعد اللعبة.”
والشرق الأوسط ما زال يحترق من التجارب الأميركية، فلا أحد هنا مستعد لتكرار المشهد في قارة أخرى.
رابعاً: كوبا — “خبرة ستة عقود في مواجهة الإمبراطورية”
كوبا التي واجهت عشرات محاولات الاغتيال والانقلابات عبر الاستخبارات الأميركية، لا تحتاج إلى دليل جديد لتعرف نوايا واشنطن.
فوق كل حادثة جديدة، تفتح هافانا دفتر التاريخ وتقول:
“من يقتل 83 شخصاً في البحر ثم يزعم حماية القانون الدولي… لا يُؤتمن إطلاقًا.”
كوبا ترى في فنزويلا امتدادًا طبيعيًا لمعركة السيادة التي خاضتها ضد واشنطن منذ الستينيات.
خامساً: تركيا — لا تثق بواشنطن ولو جمعت ألف حاملة طائرات
تركيا، رغم علاقاتها المتشابكة مع الولايات المتحدة، شهدت:
- دعمًا أميركيًا لمحاولات انقلابية
- خلافات حادة في سوريا
- تسليحًا لقوى معادية لها على حدودها
وبالتالي، عندما ترى واشنطن تتحدث عن “إنقاذ الشعب الفنزويلي”، تفهم فورًا أنّ هذه العبارة هي الغطاء السحري لعمليات قذرة.
تركيا تعرف أن ترامب يغيّر مواقفه كل 24 ساعة، وأن أي دولة اليوم حليف… وغداً “تهديد للأمن القومي”.
لذلك تتخذ موقفًا واضحًا:
“لا تدخل عسكري. ولا وصاية أميركية. ولا نريد نسخة أميركية من الربيع اللاتيني.”
**سادساً: لماذا لا يثق العالم في إدارة ترامب؟
(خاصة في الشرق الأوسط)**
لأن الشرق الأوسط كان المختبر الأول لفوضى واشنطن:
- العراق دُمّر بذرائع ثبت كذبها.
- ليبيا تحولت من دولة غنية إلى بلد مليشيات.
- سوريا أصبحت ساحة لتجارب القرارات الأميركية المتقلبة.
- اليمن تحول إلى حرب مفتوحة بسبب حسابات خاطئة لواشنطن.
- إيران خضعت لعقوبات تارة، وتهديدات تارة أخرى، واغتيالات مفتوحة.
ثم يأتي ترامب ليتحدث عن “استعادة الديمقراطية في فنزويلا”.
العالم يضحك… بشكل مرير.
وختاماً..الدول الداعمة لفنزويلا لا تتحرك حباً في مادورو، بل خوفاً من تكرار النموذج الأميركي في الشرق الأوسط:
فوضى، انهيار دول، صعود جماعات مسلحة، وتدخلات لا تنتهي.
أما الثقة في واشنطن؟
فقد سقطت يوم سقطت بغداد، ودفنت يوم تفككت ليبيا، وذابت يوم تغيّر موقفها في سوريا أكثر من مرة في أسبوع واحد.
واليوم…
كُلّهم ينظرون إلى فنزويلا ويفهمون أن اللعبة ذاتها تتكرر:
أميركا تريد تغيير النظام… ثم تترك الفوضى تتولى الباقي.



