
صلاح جمعة يكتب
هناك مدن تمرّ بنا كظلّ مسافر، وهناك مدنٌ تمشي فينا كنبض لا نملك فكاكاً منه.
وغزّة، بالنسبة لي، لم تكن يوماً مجرد ساحة عمل، بل كانت تجربة خُلقتْ ليعيد الله بها تشكيل وجداني، مدينةٌ دخلتْ قلبي فاستقرّت فيه كما تستقر الروح في الجسد.
أربعُ سنواتٍ كاملة، من عام 2000 إلى 2004، كنتُ فيها مراسلاً لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أتقاطعُ مع شوارع غزة كما يتقاطع القدر مع الإنسان.
مشيتُ في أحيائها ومخيماتها، عشتُ كلّ ارتعاشةٍ من ارتعاشات الانتفاضة الثانية، ورأيتُ شعباً يواجه عاصفة الاحتلال بصدور مفتوحة وقلوبٍ لا تعرف سوى معنى النهضة بعد السقوط.
في غزّة رُزقتُ بابني البكر محمود بعد خمس سنواتٍ من الانتظار، وكأن الحياة أرادت أن تُثبت جزءاً من روحي في تلك الأرض إلى الأبد.
كنتُ أعبر شوارعها وأنا أحمل امتناناً لعطرٍ لا يشبه إلا نفسه، ولأناسٍ لا يشبهون إلا الكرامة.
تعلّمتُ في بيوت غزة معنى المحبة البسيطة، وفي مخيماتها معنى الشموخ، وتحت قصفها معنى أن تظلّ إنساناً رغم كلّ شيء.
رأيت الشباب يخرجون إلى المواجهة بقلوبٍ أكبر من أعمارهم، والنساء يودّعن الشهداء بدموعٍ حارّة ورؤوسٍ مرفوعة، والأطفال يتشرّبون معنى المقاومة قبل أن يعرفوا الأبجدية.
كانت غزة في تلك السنين مرآة الصمود، مدينةٌ تحوّل الألم إلى معنى، والدمع إلى بداية جديدة.
لكن ما حدث في العامين الأخيرين كان شيئاً لم تعرفه ذاكرتي من قبل.
ما رأيناه لم يكن حرباً… بل إبادة مكتملة لمدينةٍ عريقةٍ قاومت كلّ محاولات اقتلاعها.
عامان من القصف المتواصل محيا ملامح غزة التي عرفتها.
شوارع كانت تضجّ بالضحكات صارت خطوطاً من الرماد، وبيوتٌ كانت تعانق روحي تحولت إلى ركامٍ يئنّ تحت وطأة الدمار.
ومع ذلك… لم تستطع آلة الحرب أن تهدم ما هو أعمق من الحجر.
روح غزة بقيت.
تنبض في أصوات من خرجوا من تحت الأنقاض، في يد فلسطينية تزيح الغبار عن طفلٍ نجا، في إصرار رجلٍ يعيد بناء بيته للمرة العاشرة، وفي هدير امرأة تقول: “سنعود”.
هذا الشعب الذي عرفته قبل عشرين عاماً لم ينكسر… ولا يزال حتى اليوم أشدّ صلابةً من الحديد.
غزة القديمة ستعود، وغزة الجديدة ستولد من بين الركام؛ لا نسخةً عما كانت، بل مدينة أشدّ نصاعة، لأنها تتغذّى من قلبٍ يعرف كيف يخلق الحياة من وسط العدم.
وإذا كانت الانتفاضة الثانية قد كشفت للعالم معنى المقاومة الإنسانية، فإن حرب الإبادة الأخيرة أكدت أن غزة ليست مدينة على الخريطة، بل قلب فلسطين النابض الذي يرفض أن يتوقّف.
غزة اليوم تصطفّ بجانب الضفة والقدس في معادلة واحدة، معادلة يعرف الاحتلال أنها الحقيقة التي يخشاها.
فكما صمدت غزة قبل عقدين وأكثر، ها هي اليوم تعلن من جديد:
إن الإرادة أطول عمراً من الدمار، وإن الأوطان تُبنى بالدم والحلم والكرامة.
قد تتبدّل الظروف، قد تتغير السياسات، لكن غزة تبقى كما عرفتها… مدينة لا تنحني، وشعباً لا يموت، وجغرافيا قادرة على أن تعيد تشكيل العالم كلّما حاول العالم تجاهلها.
الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة والقدس والشتات، شعبٌ يستحق الحياة كما يستحق الحرية.
لم يطلب يوماً سوى دولةٍ مستقلة على حدود 1967، على جزءٍ صغيرٍ من وطنٍ حمله في القلب قبل الخرائط.
ومن غزة المحاصرة، إلى الضفة التي تقاتل الاستيطان، إلى القدس التي تكابد دفاعاً عن هويتها، إلى المخيمات التي تحفظ مفاتيح البيوت القديمة… يظلّ الفلسطيني برهاناً على أن الكرامة قد تُقصف، ولكنها لا تُقتل.



