جنوب اليمن عند مفترق الطرق.. ؟!

رئيس التحرير يكتب
يمثّل سيطرة القوات المدعومة من الإمارات على جنوب اليمن تحولًا حاسمًا في مسار الحرب الطويلة بالبلاد. فما يبدو تقدمًا عسكريًا هو في جوهره كسر سياسي يهدد وحدة اليمن ويعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. ومع إحكام السيطرة على موارد النفط وتراجع الخصوم، لم يعد السؤال هل يستطيع الجنوب المطالبة بالاستقلال، بل من سيسمح بذلك، وبأي ثمن.
الانقلاب الجنوبي الذي يدفن اليمن
كيف تُعاد صياغة الجغرافيا بالوكالة، ويُشرعن الصمت الدولي التقسيم
1. من تمدّد عسكري إلى دولة أمر واقع
ما جرى في جنوب اليمن لم يعد مجرد تقدّم ميداني للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، بل تحوّل بنيوي يمسّ جوهر الدولة اليمنية. للمرة الأولى منذ وحدة 1990، تسيطر قوة واحدة على كامل المحافظات الجنوبية، في انتقال واضح من منطق “الفصيل” إلى منطق “الكيان”. هنا، لم تعد مسألة الانفصال افتراضية، بل خيارًا جاهزًا ينتظر التوقيت السياسي المناسب.
2. النفط قبل الأعلام: حضرموت بوصفها قلب السيادة
التحرّك نحو حضرموت والسيطرة على شركة “بترو مسيلة” لم يكن تفصيلًا عسكريًا، بل هو جوهر المشروع. فالدولة لا تُعلن بالخطب، بل تُموَّل بالموارد. السيطرة على شريان النفط تعني امتلاك مفاتيح القرار، وفرض شروط التفاوض، وشراء الصمت الدولي. أي استفتاء قادم لن يكون سوى غطاء قانوني لواقع فُرض بالقوة والمال.
3. الانسحاب السعودي: هزيمة بلا معركة
انسحاب القوات السعودية من القصر الرئاسي ومطار عدن ليس إجراءً تكتيكيًا، بل إقرار ضمني بفقدان النفوذ. الرياض، التي قادت الحرب تحت شعار “استعادة الشرعية”، تجد نفسها اليوم عاجزة عن حماية حلفائها داخل الحكومة المعترف بها دوليًا. إنها لحظة سقوط دور، لا مجرد تراجع تموضع.
4. النموذج الإماراتي: الاستقرار عبر التفكيك
اتبعت أبوظبي نموذجًا مألوفًا: بناء قوات محلية موالية، السيطرة على الموانئ والطاقة، وتقليل الكلفة السياسية المباشرة. المجلس الانتقالي ليس نتاج فوضى، بل أداة مصنوعة بعناية. غير أن هذا النموذج يحمل تناقضًا قاتلًا: الترويج للاستقرار عبر تفكيك الدول، وتحويل اليمن إلى خريطة نفوذ لا دولة قابلة للحياة.
5. الصمت الغربي: تواطؤ دبلوماسي ناعم
غياب المواقف العلنية من واشنطن وحلفائها لا يعني الحياد، بل القبول الضمني. التواصل الهاتفي مع الزبيدي خلف الأبواب المغلقة، مقابل خطاب علني عن “وحدة اليمن”، يكشف ازدواجية فجّة. الغرب يتشبث بخارطة طريق سعودية انتهت صلاحيتها، بينما الواقع يُكتب بقوة السلاح.
6. وحدة على الورق… وتقسيم على الأرض
رسميًا، اليمن دولة واحدة. عمليًا، هو كيان ممزق إلى مناطق نفوذ: شمال حوثي، جنوب انتقالي، وجيوب هشة هنا وهناك. حديث المجلس الانتقالي عن منح “حماية” لمأرب وتعز يكرّس منطق الوصاية، لا الدولة، ويحوّل التقسيم إلى إدارة يومية.
7. تصدّع إقليمي جديد
هذا التحول يهدد بإعادة رسم العلاقة بين الرياض وأبوظبي، ويفتح بابًا جديدًا للاضطراب في البحر الأحمر وخليج عدن. هاجس السعودية لا يقتصر على انفصال الجنوب، بل على حدود جنوبية بلا سيطرة مركزية، في ظل سجل طويل من الهجمات الحوثية عبر الحدود.
8. الموت الثاني لليمن
لم يُحلّ اليمن حين توحّد، وها هو يُقسّم دون أن تنتهي حربه. ما نشهده ليس تحريرًا وطنيًا خالصًا، ولا مجرد صراع وكلاء، بل جنازة صامتة للدولة اليمنية. دولة تُدفن ببطء، بينما يُعاد تدوير خطاب “الاستقرار” لتبرير الخراب.



