إقتصادسلايدر

من حوار الشراكة إلى أفق الاستراتيجية… قمة آسيا الوسطى–اليابان تكتب فصلًا جديدًا من التلاقي

Listen to this article

شيرزود فايزييف
نائب مدير المعهد الدولي لآسيا الوسطى

 

تستضيف طوكيو يومي 19 و20 ديسمبر من هذا العام أول قمة على مستوى القادة بين دول آسيا الوسطى واليابان، في محطة مفصلية يُنتظر أن تعيد رسم ملامح الشراكة بين الجانبين، وتفتح أبوابًا أوسع لتعاون أكثر نضجًا وعمقًا، يعكس تحولات الإقليم وتنامي وزنه في المعادلات الدولية.

تأتي القمة في لحظة تشهد فيها آسيا الوسطى زخمًا متجددًا من التعاون الإقليمي، وتلاقيًا متصاعدًا بين دولها، ما يمنح هذا اللقاء بعدًا استراتيجيًا خاصًا. ومن المنتظر أن تشكّل مخرجاته دفعة نوعية للعلاقات مع اليابان، ترتقي بها من إطار التعاون المتدرّج إلى شراكة استراتيجية مكتملة الأركان، قادرة على ترجمة الرؤى إلى مشاريع عملية، واستثمار الإمكانات غير المستغلة بعد.

كانت اليابان من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال جمهوريات آسيا الوسطى، وانتهجت منذ البدايات سياسة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الإملاءات أو الشروط السياسية. كما كانت سبّاقة في النظر إلى آسيا الوسطى بوصفها فضاءً إقليميًا واحدًا، حين أطلقت عام 2004 مبادرة «آسيا الوسطى + اليابان»، كمنصة حوار متعددة الأطراف، شكّلت نموذجًا مبكرًا لصيغ “CA+” في التعاون الإقليمي.

وعبر هذا الإطار، دعمت طوكيو مفهوم «التنمية المفتوحة والمستقرة والقائمة على الاعتماد الذاتي» لدول المنطقة، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الثنائية مع كل دولة. وكما عبّر رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف: «اليابان شريك استراتيجي مجرَّب بالزمن، تقوم علاقتنا به على الثقة والاحترام المتبادلين».

ومنذ إطلاق الحوار، عُقدت تسع اجتماعات لوزراء الخارجية، إلى جانب لقاءات خبراء ورجال أعمال، كان آخرها الاجتماع التاسع في طوكيو عام 2022، الذي جدّد الالتزام بتعميق الشراكة على أسس الصداقة والثقة المتراكمة. وخلال عقدين، ترسّخ هذا الحوار كمنصة فاعلة لدفع مشاريع مشتركة أسهمت في التنمية المستدامة لدول آسيا الوسطى.

وقد تجسّد الدعم الياباني منذ الاستقلال في مشاريع بنية تحتية وطاقة كبرى، بالتعاون مع مؤسسات يابانية رائدة مثل «جايكا»، و«جيه بي آي سي»، و«جيترو». واحتلت البنية التحتية موقع القلب في هذه الشراكة، بفضل توظيف التكنولوجيا اليابانية المتقدمة لتحديث الموانئ الجوية، والسكك الحديدية، وشبكات النقل واللوجستيات.

في أوزبكستان، أسهم التمويل الياباني في إعادة إعمار مطارات سمرقند وبخارى وأورغينتش، وبناء سكة حديد طشقند–قومقرغان، وكهربة خط قرشي–ترمذ. وفي دول أخرى، شملت المشاريع تحديث مطارات أستانا وماناس ودوشنبه، وبناء جسور وطرق استراتيجية، لتتحول هذه المبادرات إلى نواة استراتيجية إقليمية متكاملة للنقل واللوجستيات.

وعلى صعيد الطاقة، لعبت اليابان دورًا محوريًا في تحديث منظومات الكهرباء، مع تركيز متزايد على التحول الأخضر. ففي أوزبكستان، أُنجزت مشاريع لتحديث محطات حرارية كبرى، إلى جانب تمويل حديث لمشاريع طاقة شمسية وتخزين كهربائي بقدرة ألف ميغاواط. وامتد هذا الزخم إلى كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، عبر مشاريع للطاقة المتجددة والهيدروجين، وتحديث الشبكات، وبناء منشآت صديقة للبيئة.

ولا يقل الاستثمار في الإنسان أهمية عن الاستثمار في الحجر. فمنذ أكثر من عشرين عامًا، تعمل مراكز يابانية–إقليمية لتنمية الموارد البشرية في أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان، تُدرّس اللغة اليابانية، وإدارة الأعمال، وتكنولوجيا المعلومات، والهندسة، وتسهم في بناء كوادر قادرة على قيادة مشاريع مشتركة في الاقتصاد الرقمي والطاقة والبنية التحتية وإدارة الكوارث.

ومع انعقاد القمة الأولى، يُتوقع أن تُطرح مجالات تعاون واعدة، في مقدمتها التجارة والاستثمار، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري ست مرات منذ عام 2000 ليبلغ 2.4 مليار دولار في 2024، مع بقاء آفاق أوسع غير مستغلة بعد. كما تفتح «إكسبو أوساكا 2025» نافذة جديدة لتنويع الصادرات الآسيوية الوسطى إلى السوق اليابانية.

وتبرز فرص كبرى في الطاقة المتجددة، حيث تمتلك آسيا الوسطى إمكانات هائلة، تقابلها خبرة يابانية راسخة في الكفاءة الطاقوية والهيدروجين والتخزين. كما يظل النقل واللوجستيات محورًا حاسمًا في ظل توقعات بتضاعف الطلب العالمي على الشحن بحلول 2050، إلى جانب الرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للتقنيات اليابانية أن تسهم في بناء صناعات جديدة وتعزيز الأمن السيبراني.

أما التغير المناخي وإدارة الموارد المائية، فيمثّلان تحديًا وجوديًا للمنطقة، مع ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه المتوقع. وهنا، تكتسب الخبرة اليابانية في التخطيط المناخي والحد من المخاطر أهمية مضاعفة، سواء عبر أنظمة الرصد، أو برامج التكيف، أو إدارة الكوارث.

إن القمة المرتقبة لا تمثل مجرد اجتماع بروتوكولي، بل بداية مرحلة جديدة تُعيد تعريف دور اليابان كشريك استراتيجي طويل الأمد لآسيا الوسطى، شريك يقوم على المعرفة والتكنولوجيا والمصالح المشتركة، ويواكب تطلعات الإقليم نحو تنمية مستدامة وسيادة اقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى