رأىسلايدر

خواطر دبلوماسى | حين يُغَيَّبُ العقلُ عن كتابِ النور… كيف تكسَّرَتِ الأمَّةُ مراياها؟

Listen to this article

دبلوماسى يكتب

مِمَّا قرأتُ عن إعمال العقل والمنهجيّة العمليّة في تدبّر القرآن، يتجلّى سؤالٌ مُلِحٌّ لا يطرق الأبواب همسًا، بل يقرعها صريحًا:
حين تحكمُ المناهجُ العشوائيّةُ الفكرَ الإسلامي، وتنحرف بالمسلمين عن المنهجيّة العلميّة في تفعيل التفكّر والتعقّل والتدبّر، فلا تسألوا بعد ذلك: لِمَ تخلف المسلمون؟ ولِمَ تفرّقوا وتخاصموا وتقاتلوا؟

وهم—على كثرة ما بأيديهم—يحملون كتابًا إلهيًّا جُعِلَ ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى:
﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [إبراهيم: 1].

إن المنهجيّة العلميّة التي تحمل أدوات فهم القرآن وتدبّره تفرض علينا حقائقَ كبرى لا تُوارِيها الأهواء:

أوّلها:
لم يعرف النبي ﷺ ولا صحابتُه في عصر الرسالة إلا دينًا واحدًا، وإسلامًا واحدًا، وأمّةً واحدة، وسُنّةً نبويّةً واحدةً شاهدوها بأعينهم، وتفاعلوا معها واقعًا حيًّا، وكانت حقيقةً قرآنيّةً أجمعت عليها الأمة عبر العصور.

ثانيها:
لم يشهد عصرُ الرسالة—ولم يكن بين صحابة النبي—سُنّيٌّ أو شيعيٌّ، ولا مالكيٌّ أو حنفيٌّ، ولا أشعريٌّ أو سلفيٌّ.
فمن أين جاءت هذه الفِرَق، وهذه المذاهب العقديّة المتنازعة، التي يُكَفِّر بعضُها بعضًا؟

ثالثها:
أن الله أمر رسوله أن يتبرّأ من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].
وحذّر المؤمنين من الوقوع في الشِّرك إن هم تفرّقوا في الدين، فقال:
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31–32].

وعليه، ينهض السؤال: بأي منطقٍ شرعيٍّ يخرج علماءُ ودعاةُ وأتباعُ كلِّ فرقةٍ من الفرق الإسلاميّة، يصفون أنفسهم بأنهم «الفرقة الناجية» المتمسكة بالسُّنّة الصحيحة، ويقذفون غيرهم إلى النار؟
وهم—في حقيقة الأمر—لا يعرفون من هذه الحقائق شيئًا إلا عبر تراثٍ مذهبيٍّ دُوِّن بعد وفاة النبي ﷺ بقرنين من الزمان.

إن مرويات السُّنّة—بهذا التصوّر—صناعةٌ بشريّةٌ خالصة، لا تمتّ بصلةٍ إلى السُّنّة النبويّة بوصفها واقعًا عمليًّا انتهت فاعليّته بوفاة النبي.
وإنما هي مروياتٌ وفتاوى صاغها أئمةُ المذاهب الفقهيّة، ثم أُلبِسَت ثوبَ الوحي، فاكتسبت قداسةً في قلوب أتباعها.

إن المذهبيّة—حين تتحوّل إلى عصبيّة—غِشاوةٌ على القلوب، تُعطّل التفكير، وتُطفئ التعقّل، وتُقعد التدبّر.
وكأنما ينطبق عليها قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: 57].

هكذا، لا يكون الخلاص بكثرة الشعارات، ولا بقداسة التراث حين يُقدَّم بديلاً عن الوحي، بل بعودةٍ شجاعةٍ إلى كتابٍ لا يزال مفتوحًا… ينتظر عقلًا حيًّا، وقلبًا حرًّا، ومنهجيّةً تُنقذ النور من أسر الظلمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى