رئيس التحريرسلايدر

فنزويلا سقطت… ومن التالي في خريطة الانهيار؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

لم تسقط فنزويلا فجأة، كما لم تسقط فلسطين ولا لبنان ولا سوريا ولا العراق ولا أفغانستان ولا اليمن ولا ليبيا ولا السودان ولا الصومال بضربة واحدة.
السقوط دائمًا عملية مركّبة لا لحظة عابرة، ومسار طويل لا حدثًا مفاجئًا، يُدار بـصبر استراتيجي وقسوة باردة.

القاسم المشترك بين كل هذه الجغرافيات المنكوبة هو تفكيك الدولة من الداخل:
اقتصاد يُخنق، هوية تُستنزف، انقسام يُسلّح، وخلافات تتحول إلى أدوات قتل.
الرصاصة الأخيرة محلية… لكن العقل الذي خطّط واليد التي سلّحت والقرار الذي غطّى جاءت من الخارج.

اليوم، تقف فنزويلا كنموذج مكتمل للسقوط:
هجوم عسكري خارجي مُعلن،
روايات متناقضة حول مصير رأس الدولة،
حديث أمريكي صريح عن “عهد جديد” ومحاكمات خارج السيادة الوطنية،
يقابله ارتباك داخلي وانتشار عسكري بلا مركز قرار واضح.

في المشهد الدولي، تتوزع الأدوار ببرود قاتل:
واشنطن لا تتحدث عن وساطة، بل عن حسم سياسي وقضائي بالقوة.
أوروبا تعبّر عن القلق، لا دفاعًا عن السيادة، بل خشية الفوضى واللاجئين والجاليات.
موسكو ترفع شعار حق تقرير المصير، دفاعًا عن مبدأ يخصها قبل أن يخص فنزويلا.
طهران ترفض منطق التدخل، لأنها تقرأ الرسالة بوضوح: الدور قد يأتي على غير كاراكاس.

أما الداخل الفنزويلي، فيُترك بين روايتين قاتلتين:
رواية “التحرير بالقوة” القادمة من الخارج،
ورواية “السيادة الجريحة” التي تُستنزف بلا أدوات حماية.

ما جرى في فنزويلا ليس فشل دولة، بل نجاح مشروع دولي قديم:
مشروع تفريغ الدولة من معناها،
وتحويل الرئيس من رمز سيادي إلى متهم عابر للحدود،
وتعليق الشرعية حتى يُعاد تركيبها وفق ميزان القوة لا ميزان القانون.

لذلك، فالتوصيف الدقيق ليس “على حافة السقوط”، بل:
فنزويلا سقطت.
وما يحدث الآن هو إدارة ما بعد السقوط:
إعادة توزيع النفوذ،
إعادة تعريف الشرعية،
وتحميل الشعب كلفة الفاتورة كاملة.

السؤال الحقيقي لم يعد: من القادم؟
بل: من يملك مناعة الدولة؟
من يملك اقتصادًا لا يُخنق بزر؟
ووعيًا لا يُدار بمنصة؟
وجيشًا وطنيًا لا يُختطف؟
ونخبة ترى الوطن قبل المصالح؟

السقوط لا يبدأ بالقنابل…
بل حين يختلف الناس على معنى الوطن،
وحين تُختزل الحرية في الفوضى،
وتُستبدل السيادة بالشعارات.

فنزويلا اليوم ليست استثناءً…
بل إنذارًا مكتوبًا بالدم والسياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى