رئيس التحريرسلايدر

حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة.. خطاب السيادة في مواجهة حرب الوجود

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في زمنٍ تتراجع فيه الحقائق أمام ضجيج السرديات الجاهزة، ويغدو الإعلام جزءًا من ميدان الصراع لا مجرد ناقلٍ له، تبرز أهمية الخطاب السياسي الذي لا يخاطب الحكومات فحسب، بل يتوجه مباشرة إلى ضمير الصحافة الأوروبية.
إن خطاب السفير مجيد نيلي، الموجَّه في ظاهره إلى أبناء الجالية الإيرانية في ألمانيا، يتجاوز إطاره الجغرافي ليطرح أسئلة أعمق حول دور الإعلام الأوروبي في زمن الأزمات: هل يكتفي برواية الأقوى، أم يستحضر ذاكرته النقدية وقيمه المؤسسة على القانون الدولي وحقوق الشعوب؟

ومن هنا، لا يمكن قراءة خطاب السفير بوصفه ردّ فعل آنيًا، بل باعتباره محاولة استراتيجية لإعادة ضبط زاوية الرؤية الأوروبية تجاه إيران والمنطقة، عبر استدعاء القانون والذاكرة ومفهوم السيادة الوطنية، واضعًا الإعلام الأوروبي أمام اختبار مهني وأخلاقي حاسم.

1) شرعية المطالب الاقتصادية: سحب الذريعة

يفتتح الخطاب بتثبيت مشروعية المطالب الاقتصادية باعتبارها حقًا طبيعيًا وقانونيًا، في تفكيكٍ مباشر لمحاولات الخلط بين الضائقة المعيشية والتفويض الخارجي.
الرسالة إلى غرف الأخبار الأوروبية واضحة:

المعاناة الاقتصادية لا تمنح شرعية للعقوبات، ولا تُبرّر التدخل، ولا تُسقط سيادة الدول.

2) العقوبات وتجميد الأصول: اختبار المصداقية الأوروبية

ينقل الخطاب مركز الثقل من الدفاع إلى الهجوم القانوني–الأخلاقي، واصفًا العقوبات الواسعة وتجميد الأصول بأنها عقاب جماعي وانتهاك صريح للالتزامات الدولية.
هنا، لا تُخاطَب الحكومات وحدها، بل يُستدعى دور الإعلام:
هل يكتفي بنقل الموقف الرسمي، أم يُفعّل أدوات المساءلة حين تُنتهك المبادئ التي طالما بشّر بها؟

3) الذاكرة في مواجهة الازدواجية

باستحضار تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والتهديدات الأمريكية، والتغطيات في الإعلام الألماني، يُذكّر الخطاب بحقيقة مُرّة:
الجهات التي تُكثِر اليوم من الوعظ، صمتت أو تواطأت إبّان الحروب غير القانونية، ما يكشف ازدواجية المعايير بوصفها سياسة ممنهجة لا زلّة عابرة.

4) نقد الصمت والتآمر الإقليمي والدولي: حرب الوجود لا الحدود

يبلغ التحليل ذروته عند توصيف ما يجري بوصفه حربًا إجرامية بدافع الوجود لا النزاع على الحدود؛ حربًا تُدار بالصمت حينًا وبالتواطؤ حينًا آخر، وفق جدولٍ زمنيٍّ خفيٍّ لكنه معلوم.
تكشف التجربة أن مسار الاستهداف يتنقّل من ساحة إلى أخرى، مع اختلاف الأدوات وثبات الهدف:

  • غزة وفنزويلا مثالان صارخان على حصار الوجود وكسر الإرادة.
  • ثم الامتداد إلى لبنان وسوريا والعراق.
  • فـ أفغانستان واليمن وليبيا.
  • وصولًا إلى السودان والصومال… والبقية تأتي تباعًا.

للإعلام الأوروبي:
الصمت هنا ليس حيادًا؛ إنه موقفٌ فاعل، يُعيد إنتاج الجريمة عبر تجاهل السياق، وتجزئة الوقائع، وتغييب نمطٍ واضح من الاستهداف المنهجي.

5) السيادة الوطنية: رسالة إلى الوعي الأوروبي

تأتي الخاتمة لتُحكم الدائرة:

نحن شعوب تقف على قدميها.
رفضٌ للوصاية، ورفضٌ لـ«الدعم المشروط»، ورفضٌ لتحويل حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية. وفي الوقت ذاته، دعوة صريحة للإعلام الأوروبي إلى مساحة عادلة للرواية، لا إلى اصطفافٍ أعمى.

خلاصة تنفيذية للمحررين الأوروبيين

هذا الخطاب، وتحليله، ليسا دعوة للتصعيد، بل إنذارًا مبكرًا من مخاطر الاستمرار في:

  • تطبيع الصمت
  • وتبرير العقوبات
  • وتغليب السردية الواحدة

إن الحياد الحقيقي لا يكون بالصمت، بل بطرح الأسئلة الصعبة—even حين تُزعج الحلفاء.
فحين تصبح الحرب على الوجود سياسة، يغدو الصمت تآمرًا، وتتحول الذاكرة إلى آخر خطوط الدفاع عن الحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى