رأىسلايدر

على حافة الاشتباك الكبير… كيف ترى طهران سيناريو الحرب الأمريكية–الإسرائيلية وتُعيد صياغة ردعها

Listen to this article

أ.د. محمد عبدالعظيم الشيمى يكتب

في ظلّ التوترات المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتبلور في طهران مجموعة من التصورات الاستراتيجية حول طبيعة التكتيكات العسكرية التي قد يلجأ إليها الخصوم، بالتوازي مع حزمة استعدادات دفاعية وهجومية صُمِّمت لردع هذه السيناريوهات أو إفشالها. وتعكس هذه الرؤية الإيرانية تقييماً مركباً لموازين القوى، ونقاط الضعف المحتملة، والعقيدة الاستراتيجية الراسخة القائمة على مبدأ «الردع عبر الانتقام».

أولاً: رؤية إيران للتكتيكات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية المحتملة

من منظور صُنّاع القرار في طهران، تتصدر التهديدات العسكرية الخارجية سيناريوهين رئيسيين:

  1. ضربات جوية وصاروخية مباشرة تستهدف البنية التحتية الاستراتيجية.
  2. عمليات سرية أو مشتركة تطال المنشآت العسكرية والنووية الحساسة.

وترجّح التقديرات الإيرانية أن تكون الضربات الجوية الاستباقية—سواء نفذتها إسرائيل منفردة أو بدعم أمريكي—هي الخيار الأكثر احتمالاً. ولا تستند هذه المخاوف إلى افتراضات نظرية، بل إلى سوابق ميدانية، أبرزها الضربات الإسرائيلية المتكررة ضد أهداف مرتبطة بإيران في سوريا، وما رافقها من رسائل ردعية واضحة.

وتخشى طهران أن تُركِّز أي هجمات مستقبلية على المنشآت النووية، ومواقع الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي، أو البنية التحتية النفطية، بهدف تقويض ركائز القوة الاستراتيجية الإيرانية. ومن المرجح—وفق هذه الرؤية—أن تترافق الضربات الجوية مع حرب إلكترونية لتعطيل شبكات الرصد والإنذار المبكر، واستخدام ذخائر دقيقة بعيدة المدى.

كما تتوقع إيران استخدام القنابل الخارقة للتحصينات (Bunker Busters) في حال استهداف المنشآت المحصّنة أو المدفونة بعمق، وهو سيناريو يعزّز فرضية الدور الأمريكي المباشر نظراً للقيود التقنية التي تواجهها إسرائيل في هذا المجال، بما في ذلك الحاجة إلى قاذفات استراتيجية وقدرات متقدمة للتزوّد بالوقود جواً.

إلى جانب ذلك، تتوجّس طهران من التكتيكات الهجينة التي تمزج بين التخريب السري، والعمل الاستخباراتي، والهجمات السيبرانية، لا سيما في ضوء تقارير عن عمليات سابقة نُسبت إلى أجهزة استخباراتية إسرائيلية، شملت استخدام طائرات مسيّرة أو خلايا داخلية لتعطيل أنظمة حساسة قبيل أو أثناء أي مواجهة مفتوحة.

وتضع القيادة الإيرانية في حسبانها أيضاً سيناريو الهجمات متعددة المجالات، التي لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى الحرب النفسية والإعلامية بهدف زعزعة الروح المعنوية وبثّ الشكوك داخل المجتمع الإيراني، في إطار حملة ضغط شاملة قد تتحول إلى عمليات عسكرية حركية إذا فشلت الأدوات السياسية والاقتصادية.

ثانياً: المخاوف الإيرانية الجوهرية – النووي والصاروخي والقيادي

تؤكد طهران باستمرار أن برنامجها النووي يمثل خط التماس الأخطر في أي صراع محتمل، وتتعامل مع التهديدات الغربية ضد منشآت التخصيب بوصفها مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، ومبرراً لتعزيز الجاهزية الدفاعية.

وفي موازاة ذلك، تحتل ترسانة الصواريخ الباليستية موقع القلب في استراتيجية الردع الإيرانية، باعتبارها أداة الرد الأساسية القادرة على موازنة التفوق الجوي والتقني الأمريكي–الإسرائيلي. ومن ثم، فإن أي محاولة لتحييد هذه القدرات تُعد تهديداً مباشراً لقدرة إيران على الرد، ما يجعل حمايتها أولوية قصوى.

كما لا تغفل طهران خطر استهداف القيادة السياسية والعسكرية عبر الاغتيالات أو ضرب سلاسل القيادة والسيطرة، وهو تكتيك شهدته تدخلات أمريكية سابقة في المنطقة. وتتعامل إيران مع هذا السيناريو بوصفه تهديداً وجودياً، ما دفعها إلى اعتماد هياكل قيادة مرنة، ومتعددة، ومموّهة.

ثالثاً: الاستعدادات العسكرية الإيرانية

استجابة لهذه التهديدات، تبنّت إيران مقاربة دفاعية متعددة الأبعاد، تمزج بين القدرات التقليدية والردع غير المتماثل، بهدف رفع كلفة أي هجوم محتمل إلى مستوى رادع.

  1. تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية:
    كثّفت إيران جهود إعادة نشر وتحديث منظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك منظومات S-300 الروسية، إلى جانب الأنظمة المحلية مثل باور-373، ضمن شبكة دفاعية تغطي المنشآت الحيوية.
  2. قدرات الصواريخ ومنع الوصول (A2/AD):
    يشكّل برنامج الصواريخ الباليستية حجر الزاوية في عقيدة «الردع بالعقاب»، مع تطوير قدرات منع الوصول وحرمان المنطقة، خصوصاً في محيط مضيق هرمز، بما يحوّل أي صدام إلى أزمة ذات كلفة اقتصادية عالمية.
  3. القوى غير المتكافئة وشبكات الوكلاء:
    تعتمد إيران على شبكة حلفائها الإقليميين ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، لتشكيل جبهة ضغط غير مباشرة قادرة على استنزاف الخصوم وتوسيع رقعة الصراع دون انخراط إيراني مباشر.
  4. العمليات الاستخباراتية والسيبرانية والنفسية:
    تستثمر طهران في القدرات السيبرانية لحماية منظوماتها وتعطيل تخطيط الخصوم، بالتوازي مع رسائل نفسية وإعلامية تؤكد أن أي هجوم سيقابَل بردّ قاسٍ وغير متناسب.
  5. العقيدة ومرونة القيادة:
    ترتكز العقيدة العسكرية الإيرانية على «الدفاع الفسيفسائي»، القائم على اللامركزية، وتعدد مراكز القيادة، بما يضمن استمرار القدرة على القتال حتى في حال إصابة العقد المركزية.

خلاصة تحليلية

يعكس التقييم الإيراني للتكتيكات الأمريكية–الإسرائيلية المحتملة مزيجاً من الخبرة التاريخية، واستشراف الصراع، والحسابات الواقعية لموازين القوى. فطهران تتوقع مزيجاً من القوة الجوية، والضربات الدقيقة، والعمليات السرية، والحرب متعددة المجالات ضد أصولها الاستراتيجية.

وفي المقابل، تسعى عبر استعداداتها المكثفة إلى تكريس صورة الدولة «المستهدفة ولكن الرادعة»: دولة تُدرك حجم المخاطر، لكنها تُراكم أدوات الردع، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة لن تكون بلا ثمن، وأن كلفة الهجوم قد تفوق بكثير مكاسبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى