ثقافة

عندما تُصافحُ العقيدةُ الأرض: الدين بوصفه جسرَ انسجامٍ بين الإنسان والكون

Listen to this article

أشرف أبو عريف

القاهرة – في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الإسلامي، قدّمت وزارة الشؤون الدينية رؤية فكرية جديدة تُعيد وصل الدين بقضايا العصر، عبر طرح مفهوم الإيكوتيولوجيا (اللاهوت البيئي)، وإبراز دور الدين بوصفه مصدرًا أصيلًا لتحقيق الانسجام الاجتماعي والإنساني.

جاء ذلك خلال ندوة دولية عُقدت بالقاهرة، وشارك فيها نحو 150 باحثًا ومفكرًا من خلفيات أكاديمية ودينية متنوّعة، حيث ألقت لبنة أمير، أمينة سرّ المديرية العامة للإرشاد الإسلامي، كلمة شدّدت فيها على أن الأديان تمتلك دورًا استراتيجيًا في مواجهة التحديات العالمية المعقّدة، وفي مقدّمتها الأزمات البيئية والإنسانية المتداخلة.

وأوضحت أن العالم المعاصر يرزح تحت وطأة أزمات متشابكة، تشمل الأزمة البيئية، والأزمة الإنسانية، وأزمة المعنى، فضلًا عن أزمة الثقة، مؤكدة أن هذه الأزمات لا يمكن مقاربتها بمعزل عن القيم الروحية والأخلاقية التي تشكّل جوهر الأديان.

وأضافت أن الدين لا ينبغي اختزاله في الطقوس أو الهويات الشكلية، بل يجب أن يُستعاد بوصفه قوة فاعلة في بناء العلاقات الاجتماعية، وتعزيز حسّ المسؤولية تجاه البيئة والإنسان معًا.
وقالت: «ينبغي للدين أن يحضر كمصدر للقيم الأخلاقية والرعاية، يُصلح علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وبالطبيعة، وبالخالق».

وبيّنت أن جوهر الرسالة الإسلامية يقوم على الرحمة بوصفها قيمة كونية عابرة للزمان والمكان، مشيرة إلى أن مفهوم الرحمة للعالمين يشكّل الأساس اللاهوتي لتطوير الإيكوتيولوجيا وتحقيق التنمية المستدامة المرتكزة على القيم الدينية.

وأردفت: «الخطاب الإسلامي منذ بداياته خطاب كوني؛ فالرحمة لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تشمل الوجود بأسره».

غير أنها أقرت بأن هذه القيم الكونية كثيرًا ما تتعرّض للتفكك في سياق الحياة الحديثة، وتنفصل عن الإحساس بمعاناة البشر أو حجم الدمار الذي يلحق بالبيئة.
وأكدت أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة نسج هذه القيم، لا بوصفها شعارات نظرية، بل كروح حيّة تتجسّد في السلوك الاجتماعي، والسياسات العامة، والممارسات الدينية اليومية.

وفي هذا السياق، أوضحت أن وزارة الشؤون الدينية تضع قيمة الحب والإنسانية في صدارة أولوياتها، من خلال تطوير خدمات دينية تُحدث أثرًا مباشرًا في حياة الناس، بحيث لا يتوقف التدين عند حدود الطقوس، بل يتحوّل إلى ممارسة فاعلة تُسهم في تحسين جودة الحياة.

كما أشارت إلى أن تجربة إندونيسيا، بوصفها دولة متعدّدة الأعراق والأديان، تقدّم نموذجًا مهمًا في ترسيخ الانسجام الاجتماعي القائم على القيم الدينية، مؤكدة أن المحبة الإنسانية تمثّل حجر الأساس لكي يكون الدين قوة توحيد، تُنمّي التفاهم والتعاطف والتعاون بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.

وشارك في الندوة عدد من المتحدثين البارزين، من بينهم أستاذ بجامعة الأزهر، وملحق التعليم بسفارة إندونيسيا في القاهرة، حيث دار نقاش موسّع حول دور الفكر الديني في مواجهة أزمات العصر.

واختتمت لبنة أمير بالتأكيد على أن معارض الكتب والمنتديات الفكرية لا ينبغي أن تكون منصّات لتبادل الأفكار فحسب، بل جسورًا لتعزيز التعاون الدولي في ترسيخ القيم الإنسانية وبناء علاقة متناغمة مع الطبيعة، قائلة:
«إن عالم اليوم لا يعاني نقصًا في التكنولوجيا، بقدر ما يعاني نقصًا في التعاطف، ولا يفتقر إلى المعلومات، بقدر ما يفتقر إلى الحكمة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى