
أشرف أبو عريف
في لحظةٍ تختلط فيها السياسةُ بالاقتصاد، وتلتقي فيها المصالحُ مع طموحات المناخ، احتضنت القاهرة مؤتمراً مفصلياً بعنوان «آفاق الطاقة المستدامة في مصر 2040: التعاون من أجل الازدهار المشترك»، نظّمته بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر بالتعاون مع حكومة جمهورية مصر العربية، ليؤكد أن التحول الأخضر لم يعد خياراً مؤجلاً، بل مساراً استراتيجياً تتسارع خطاه.
المؤتمر جمع كبار المسؤولين، وشركاء أوروبيين، ومؤسسات مالية دولية، وخبراء الصناعة، لبحث الركائز الأساسية لاستراتيجية مصر للطاقة 2040، وفي مقدمتها: التوسع في الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وتحديث شبكة الكهرباء، وإعادة تموضع قطاع الغاز في إطار انتقال عادل ومستدام. كما ناقش المشاركون فرص الاستثمار ضمن مبادرة ميثاق الاتحاد الأوروبي من أجل المتوسط، ومبادرة التعاون عبر المتوسط في مجال الطاقة والتكنولوجيا النظيفة (T-MED).
تمويل أوروبي لتعزيز البنية التحتية الخضراء
شهد المؤتمر إعلان بدء مفاوضات تعاقدية لمشروعين رئيسيين:
- تحديث شبكة نقل الكهرباء في مصر
- مشروع الهيدروجين الأخضر
وجرى الإعلان بحضور عدد من الوزراء المصريين، وممثلي بعثة الاتحاد الأوروبي، وبنك الاستثمار الأوروبي، في دلالة واضحة على عمق الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأوروبا في قطاع الطاقة.
وأعلن الاتحاد الأوروبي عن منحة استثمارية تصل إلى 90 مليون يورو لدعم برنامج تحديث وتوسعة شبكة الكهرباء، بما يعزز قدرة الشبكة على استيعاب الطاقات المتجددة، ويساعد مصر في بلوغ هدفها بإنتاج 22 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
كما يساهم الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي بمبلغ 34.3 مليون يورو لدعم مشروع الهيدروجين الأخضر، في خطوة تعزز ريادة مصر إقليمياً في هذا القطاع الواعد، وترسخ موقعها كمحور إقليمي للطاقة النظيفة.
شراكة تتجاوز التمويل إلى الرؤية
صرّحت أنجلينا أيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، بأن العمل يجري على بناء هيكل استراتيجي مشترك، مؤكدة أن مصر ليست مجرد شريك في تحول المتوسط، بل ركيزته الأساسية.
من جانبه، شدد جويدو كلاري، رئيس المركز الإقليمي لشمال أفريقيا والشرق الأدنى في بنك الاستثمار الأوروبي، على أن دعم تحديث البنية التحتية لنقل الكهرباء، وتمويل مشروعات مبتكرة مثل إنتاج الأمونيا الخضراء، يسهمان في دمج واسع النطاق للطاقة المتجددة، ويعززان مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة النظيفة. وأوضح أن هذه الجهود تأتي في إطار استراتيجية «البوابة العالمية» ومبادرة (T-MED)، مؤكداً التزام البنك بتعبئة التمويل والخبرات طويلة الأجل لتسريع التحول الأخضر وتحقيق نمو مستدام يعود بالنفع على الأفراد والشركات في مختلف أنحاء مصر.
نحو أفق 2040
واختُتم المؤتمر بدعوةٍ صريحة لتعزيز التعاون الإقليمي، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع الاستثمارات، بما يضمن تحقيق رؤية مصر للطاقة 2040، ويعمّق الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبروكسل من أجل مستقبلٍ أكثر استدامة وازدهاراً.
في زمنٍ تتصاعد فيه تحديات المناخ، تبدو القاهرة وهي تعيد رسم خريطتها الطاقوية، وكأنها تكتب فصلاً جديداً: فصلاً تُصبح فيه الشمسُ شريكاً اقتصادياً، والرياحُ استثماراً سيادياً، والبحرُ المتوسطُ جسراً لطاقةٍ تعبرُ من الجنوب إلى الشمال.



