
أشرف أبو عريف
في الخامس والسادس من فبراير، يقوم فخامة الرئيس Shavkat Mirziyoyev بزيارة دولة إلى Pakistan، في محطة جديدة تؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية بين Uzbekistan وإسلام آباد، وتمنح زخماً متجدداً لمعادلة الربط الإقليمي بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية.
شراكة تتجاوز البروتوكول… إلى هندسة إقليمية جديدة
تأتي الزيارة في سياق تصاعد الحوار الأوزبكي–الباكستاني خلال السنوات الأخيرة، بوصفه امتداداً طبيعياً لاستراتيجية طشقند القائمة على الانفتاح جنوباً، وتعزيز التعاون مع دول آسيا الجنوبية. كما تتزامن مع تشكّل معمار إقليمي جديد للاتصال، حيث يُنظر إلى آسيا الوسطى والجنوبية باعتبارهما فضاءين متكاملين، توحدهما المصالح الاقتصادية والجذور الحضارية والروابط التاريخية.
وكانت باكستان من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال أوزبكستان عام 1991، فيما أرست العلاقات الدبلوماسية عام 1992 الأساس المؤسسي للتعاون الثنائي. غير أن التحول النوعي الحقيقي بدأ مع توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية في يوليو 2021، الذي دشّن مرحلة جديدة من العمل المنهجي والتنسيق العميق.
وفي مارس 2022، أكدت زيارة الرئيس ميرضيائيف إلى إسلام آباد تقارب الرؤى بشأن التنمية الإقليمية، واستقرار أفغانستان، وتعزيز الروابط الاقتصادية بين آسيا الوسطى والجنوبية.
تنسيق متعدد الأطراف… وثقة متبادلة
ساهمت اللقاءات المنتظمة في الأطر متعددة الأطراف في ترسيخ حوار عملي قائم على الثقة، لا سيما ضمن:
- Shanghai Cooperation Organization
- Economic Cooperation Organization
- Organization of Islamic Cooperation
- United Nations
وقد شكّلت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني Shehbaz Sharif إلى طشقند في فبراير 2025 نقطة انعطاف مهمة، حيث تم توقيع إعلان مشترك وبروتوكول إنشاء مجلس شراكة استراتيجية رفيع المستوى، بما وفر إطاراً مؤسسياً مستقراً لتنسيق المبادرات ومتابعة تنفيذ الالتزامات.
الاقتصاد… من التبادل إلى التكامل
يُظهر البعد الاقتصادي ديناميكية تصاعدية واضحة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بحلول نهاية 2025 نحو 445.8 مليون دولار، مع هدف مشترك لرفعه إلى ملياري دولار.
تعكس بنية التجارة تكامل الاقتصادين:
- تصدّر أوزبكستان المنتجات الزراعية والغزل القطني والمواد الكيميائية وخدمات النقل.
- فيما توفّر باكستان الأدوية والمنسوجات والمنتجات الغذائية.
غير أن الطموح يتجاوز التجارة إلى التصنيع المشترك، وتوطين الإنتاج، والدخول إلى أسواق ثالثة، خاصة في قطاعات الأدوية والمنسوجات والجلود.
ممرات العبور… من الحلم إلى السكة
يحظى التعاون في مجالي النقل واللوجستيات بأهمية استراتيجية، لا سيما مع اهتمام أوزبكستان بالوصول إلى موانئ Karachi و**Gwadar**، ما يفتح آفاقاً لتنويع طرق التجارة الخارجية.
ويمثل مشروع السكك الحديدية العابرة لأفغانستان (Trans-Afghan Railway) أحد أبرز مشاريع التكامل الثلاثي بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان، حيث وُقّع الاتفاق الإطاري في يوليو 2025، بما يمهّد لتقليص زمن وتكلفة النقل، وتعزيز الترابط الاقتصادي بين المنطقتين.
السياحة… دبلوماسية الروح
شهدت السياحة نمواً لافتاً خلال عامي 2024–2025، مدفوعة بتسهيل التأشيرات واستئناف الرحلات المباشرة. فبعد أن كانت هناك رحلة أسبوعية واحدة فقط مطلع 2025، باتت اليوم طشقند وإسلام آباد ولاهور مرتبطة بأربع رحلات أسبوعياً.
وقد ارتفع عدد السياح الباكستانيين إلى أوزبكستان من 5400 في 2024 إلى أكثر من 18 ألفاً في 2025، مستفيدين من إمكانات السياحة الدينية (الزيارات)، والثقافية، والتعليمية.
جذور بابورية… ورؤية نهضوية
ترتكز العلاقات الثقافية على إرث تاريخي عميق يعود إلى الحقبة البابورية، بما يعزز التقارب الشعبي والثقة المتبادلة.
وتحظى الإصلاحات الواسعة في أوزبكستان باهتمام متزايد في الأوساط الباكستانية، حيث يُنظر إلى مسار التحديث بقيادة الرئيس ميرضيائيف بوصفه نموذجاً يجمع بين الإصلاح المؤسسي والتحرير الاقتصادي والانفتاح الدبلوماسي.
ومن مظاهر هذا الاهتمام صدور كتاب الصحفي الباكستاني محمد عباس خان بعنوان «Uzbekistan: The Third Renaissance – A Concept of the Future»، الذي قُدم في إسلام آباد بالتعاون مع مؤسسة إعلامية محلية، ليعكس حضور أوزبكستان في الوعي الفكري الباكستاني.
نحو أفق أرحب
إن زيارة الرئيس ميرضيائيف المرتقبة إلى باكستان لا تمثل مجرد محطة دبلوماسية، بل تؤسس لمرحلة أعمق من الترابط الاستراتيجي، وتؤكد التزام البلدين ببناء منظومة اتصال مستدامة بين آسيا الوسطى والجنوبية، وتعزيز دورهما كفاعلين مسؤولين في التوازنات الإقليمية والدولية.
إنها شراكة لا تُقاس بعدد الاتفاقيات فقط، بل بقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى جسر، والتاريخ إلى طاقة، والإرادة السياسية إلى واقع متصلٍ نابض بالحياة.



