رئيس التحريرسلايدر

تحليل | على ضفاف واشنطن… حين تتكلم الأرقام بلغة الشراكة الاستراتيجية

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

بدعوة من الرئيس الأمريكي Donald Trump، يتوجّه الرئيس الأوزبكي Shavkat Mirziyoyev إلى واشنطن للمشاركة في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام، في زيارة تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتؤكد أن العلاقة بين طشقند وواشنطن لم تعد هامشًا في دفاتر السياسة، بل بندًا ثابتًا في معادلات الاقتصاد والاستثمار.

الإنفوجراف الصادر عن مركز البحوث الاقتصادية والإصلاحات في أوزبكستان لا يقدّم أرقامًا فحسب، بل يرسم خريطة تحوّل استراتيجي امتد على مدى تسع سنوات، حيث انتقلت العلاقات من طور الانفتاح الحذر إلى مرحلة الشراكة المتعددة المسارات.

أولاً: من البيت الأبيض إلى منصة C5+1… تاريخ يتصاعد

الزيارة الرسمية الأولى للرئيس الأوزبكي إلى الولايات المتحدة عام 2018 شكّلت نقطة انعطاف مفصلية؛ إذ شهدت لقاءات في البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون، ووضعت أسس مرحلة جديدة من التعاون الثنائي. ومنذ ذلك التاريخ، تعمّق الحوار عبر مبادرات إقليمية أبرزها منصة C5+1 التي عززت التواصل بين واشنطن ودول آسيا الوسطى.

وفي سبتمبر 2025، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى الرئيسان مجددًا في نيويورك، واتفقا على توسيع الشراكة الاستراتيجية، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا وتقنيًا أيضًا.

ومن اللافت أن أوزبكستان اتخذت خطوة لافتة بتطبيق نظام الإعفاء من التأشيرة لمواطني الولايات المتحدة اعتبارًا من يناير 2026، في رسالة واضحة مفادها أن الانفتاح الاقتصادي يوازي الانفتاح السياسي.

ثانيًا: التجارة… قفزة أربعة أضعاف ونصف

بين عامي 2017 و2025، ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 215 مليون دولار إلى مليار دولار — أي بزيادة بلغت 4.7 أضعاف.

  • الصادرات الأوزبكية قفزت 9.1 أضعاف.
  • الواردات من الولايات المتحدة ارتفعت 3.9 أضعاف.

لكن الأهم من الرقم الكلي هو طبيعة البنية التجارية:

🔹 81% من صادرات أوزبكستان إلى أمريكا خدمات — برمجة، خدمات مالية، معلوماتية ونقل.
وهذا يعكس تحوّلًا نوعيًا من اقتصاد يعتمد على المواد الخام إلى اقتصاد خدماتي معرفي.

🔹 في المقابل، 59% من واردات أوزبكستان من أمريكا آلات ومعدات — طائرات، مركبات، أنظمة حاسوبية، تجهيزات صناعية.
وهو ما يكشف عن توجّه واضح لتحديث القاعدة الصناعية والتكنولوجية في البلاد.

هنا تتبدّى معادلة تبادلية:
أوزبكستان تصدّر القيمة المضافة الرقمية والخدمية، وتستورد التكنولوجيا الثقيلة والتقنيات المتقدمة.

ثالثًا: الاستثمار… من ملايين محدودة إلى مليارات مؤثرة

التحوّل الأبرز يتجلى في الاستثمار.

  • ارتفع حجم الاستثمارات والقروض الأمريكية من 8.6 مليون دولار عام 2017 إلى 383.2 مليون دولار عام 2025 — أي نمو يقارب 64 ضعفًا.
  • إجمالي التدفقات التراكمية تجاوز 2.9 مليار دولار خلال تسع سنوات.

اليوم تعمل في أوزبكستان 346 شركة برأسمال أمريكي، منها 146 مشروعًا مشتركًا و200 شركة باستثمار مباشر.

وتوزعت الاستثمارات على قطاعات استراتيجية:

  • الصناعات التحويلية (السيارات، المعادن، النسيج، المشروبات)
  • التعدين
  • البناء
  • الخدمات العقارية والتعليم
  • الزراعة

وهذا التنوع يعني أن التعاون لم يعد محصورًا في صفقات محدودة، بل بات جزءًا من البنية الاقتصادية طويلة الأمد.

قراءة تحليلية: شراكة براغماتية في عالم متحوّل

في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبدو العلاقة الأوزبكية–الأمريكية نموذجًا لـ”البراغماتية المتبادلة”:

  • واشنطن ترى في أوزبكستان محور استقرار في آسيا الوسطى.
  • وطشقند ترى في الولايات المتحدة مصدرًا للتكنولوجيا ورأس المال والخبرة المؤسسية.

اللافت أن الصادرات الأوزبكية يغلب عليها الطابع الخدمي، ما يعكس نجاح سياسات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي التي انتهجتها طشقند خلال العقد الأخير. في المقابل، تُظهر الواردات ذات الطابع التكنولوجي أن البلاد تسعى لبناء اقتصاد صناعي حديث لا يعتمد على تصدير المواد الخام فقط.

إنها علاقة تتجاوز أرقام المليار دولار، إلى إعادة تموضع استراتيجي لدولة آسيوية صاعدة تبحث عن توازن في شراكاتها الدولية.

خلاصة القول

ما بين 2017 و2025، لم تكن العلاقة بين طشقند وواشنطن مجرد تطور رقمي، بل تحوّل هيكلي:

  • تضاعف التجارة.
  • تسارع الاستثمار.
  • تنويع القطاعات.
  • وتوسيع الإطار السياسي والاستراتيجي.

زيارة فبراير ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة جديدة في مسار تتبلور فيه ملامح شراكة عابرة للقارات…
شراكة تُبنى بالأرقام، لكنها تُدار برؤية استراتيجية بعيدة المدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى