رئيس التحريرسلايدر

دراما العلاقات لا دراما المواهب: من سرق الشاشة من أهلها؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

كم حزنتُ كثيرًا، كثيرًا، عندما شاهدتُ فيديو المتألق الإعلامي، الممثل الموهوب الأستاذ محمد أمين.
لم يكن حديثه انفعالًا عابرًا، ولا شكوى عاطفية تبحث عن تعاطف، بل كان صرخة موجوعة خرجت من قلب خبر ثلاثين عامًا من الانتظار والصبر والعمل في صمت. كانت نبرة رجل لا يطلب امتيازًا، بل يطالب بعدالة.

ما قاله أمين لم يكن سرًا، لكنه كان جريئًا بما يكفي ليُقال بصوت مرتفع في وقت يفضّل فيه كثيرون الصمت. حديثه عن موسم رمضان 2026 لم يفتح جرحًا جديدًا، بل ضغط على جرح قديم ينزف كل عام. السؤال الذي طرحه — من يحدد فعلًا من يستحق الصدارة؟ — ليس استفهامًا بريئًا، بل اتهامًا مباشرًا لمنظومة تُدار خلف الكواليس بعلاقات شخصية، ووساطات ناعمة، وتشابكات مصالح، أكثر مما تُدار بمعايير فنية واضحة.

خلل بنيوي لا حساسية فردية

الخطير في كلام أمين أنه لم يقدّم نفسه ضحية، بل قدّم نفسه نموذجًا. ثلاثون عامًا من العمل والانتظار ليست مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة على بطء — وربما تعمّد — إقصاء أصوات خارج الدائرة المغلقة. حين تتكرر الأسماء ذاتها كل موسم، لا يصبح الأمر صدفة، بل سياسة غير معلنة.

الدراما المصرية، التي كانت يومًا مصنعًا للنجوم ومختبرًا حقيقيًا للموهبة، تبدو اليوم وكأنها تدور في حلقة ضيقة. المنتج يثق في الاسم “المضمون”، والمخرج لا يريد المجازفة، وشركات الإعلان تبحث عن الوجه الذي يضمن التريند. هكذا تتحول الشاشة إلى مساحة آمنة للاستثمار، لا مساحة حرة للإبداع.

ثمن المجاملة… يدفعه الجمهور

المشكلة لا تقف عند حدود العدالة المهنية، بل تمتد إلى جودة المنتج نفسه. حين تتراجع الموهبة أمام العلاقات، يتراجع النص أمام الحسابات، ويخسر المشاهد عملًا كان يمكن أن يكون أفضل. تكرار الوجوه يعني تكرار الأداء، وتكرار الأداء يعني تآكل الدهشة.

الدراما ليست ناديًا اجتماعيًا مغلقًا، ولا امتيازًا وراثيًا. هي صناعة تقوم على المنافسة، وكلما ضاقت دوائرها، اختنقت روحها. وإذا استمر التعامل مع الكفاءة باعتبارها عنصرًا تكميليًا لا أساسيًا، فإن الأزمة لن تبقى أخلاقية فحسب، بل ستتحول إلى أزمة ثقة بين الجمهور وصناع العمل.

أين تكافؤ الفرص؟

السؤال الذي أعاد أمين طرحه يتجاوز شخصه: هل توجد آليات واضحة وشفافة للاختيار؟ أم أن الأمر يُحسم في جلسات مغلقة لا يرى فيها الجمهور سوى النتيجة النهائية؟
تكافؤ الفرص ليس شعارًا تجميليًا، بل شرطًا لبقاء أي صناعة إبداعية حيّة. بدون ضخ دماء جديدة، تتحول الدراما إلى إعادة تدوير مستمرة لوجوه مألوفة، مهما كانت موهوبة.

الخلاصة… والرسالة

فيديو محمد أمين ليس أزمة فرد، بل مرآة لصناعة تحتاج إلى مراجعة شجاعة. إن كان ما قيل مبالغًا فيه، فليكن الرد بالأرقام والمعايير الواضحة. وإن كان صحيحًا، فالأخطر ليس الكلام، بل الصمت عنه.

الدراما المصرية لا ينقصها التاريخ ولا الجمهور، لكنها تحتاج إلى عدالة فنية تعيد الاعتبار للموهبة قبل العلاقات.
فالشاشة التي لا تتسع للجميع… تضيق في النهاية على نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى