رئيس التحريرسلايدر

على ضفاف ميونيخ… عودة الدبلوماسية العربية إلى خرائط القرار

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

عاد عمرو موسى من ميونيخ، حاملاً معه ما هو أبعد من مشاركة بروتوكولية في مؤتمر ميونيخ للأمن؛ عاد بخريطة أسئلة ثقيلة حول مستقبل الإقليم، وبإشارات واضحة إلى أن اللحظة العربية لم تعد تحتمل الغياب أو التردد.

ميونيخ… منصة العالم القَلِق

في دورته الثانية والستين، لم يكن المؤتمر مجرد تجمع للنخب السياسية، بل بدا وكأنه غرفة إنعاش للنظام الدولي المضطرب. حروب ممتدة، توترات بحرية، اختبارات قوة بين الكبار، وشرق أوسط يقف في قلب العاصفة.

وسط هذا المشهد، جاءت مشاركة موسى في جلسات مغلقة وموائد مستديرة رفيعة المستوى لتؤكد أن الصوت العربي – حين يمتلك خبرة التراكم وجرأة الطرح – لا يزال قادراً على الحضور في دوائر التأثير، لا على هامشها.

البحر الأحمر… شريان العالم ومختبر التوازنات

مشاركته في فعالية نظمها مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام بعنوان “A Sea of Opportunities: Security and Development Across the Red Sea” لم تكن تفصيلاً عابراً.

البحر الأحمر وخليج عدن لم يعودا مجرد ممرين مائيين، بل تحوّلا إلى ساحة اختبار لإرادة الدول:

  • أمن الملاحة مقابل تهديدات غير تقليدية
  • التجارة العالمية مقابل صراعات الوكالة
  • التنمية الساحلية مقابل عسكرة الممرات

الطرح الذي قُدِّم هناك يعكس إدراكاً بأن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفاً محلياً، بل عقدة استراتيجية تربط آسيا بأفريقيا بأوروبا، وأن أي خلل فيه يتردد صداه في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

الخليج… من الداعم إلى الوسيط

في المائدة المستديرة التي نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، وتحت عنوان “مسارات السلام: تنامي دور دول الخليج في تسوية النزاعات”، بدا واضحاً أن الإقليم يشهد تحوّلاً في أدوار الفاعلين.

حضور شخصيات مثل فيصل بن فرحان، رشاد العليمي، أنور قرقاش، وتركي الفيصل، عكس إدراكاً خليجياً بأن زمن التموضع الصامت قد انتهى، وأن الدبلوماسية الخليجية تسعى اليوم للعب أدوار الوساطة وإعادة هندسة مسارات التسوية.

رؤية موسى هنا تمحورت حول فكرة جوهرية:
لا سلام بلا توازن مصالح، ولا استقرار بلا مقاربة واقعية تعترف بتشابك الإقليمي بالدولي.

النظام الدولي… لحظة إعادة تشكيل

مشاركته في فعالية نظمها مركز نظامي غنجوي الدولي حول تحولات النظام الدولي وأثرها على أمن الشرق الأوسط والبحر المتوسط، تؤكد أن النقاش لم يعد يدور حول أزمات منفصلة، بل حول إعادة صياغة قواعد اللعبة ذاتها.

العالم يتحرك من أحادية متراجعة إلى تعددية متنافسة، ومن تحالفات صلبة إلى شبكات مصالح مرنة. وفي هذه المساحة الرمادية، تصبح المنطقة العربية إما ساحة صراع… أو شريكاً في إعادة التشكيل.

بين التحذير والدعوة

تصريحات موسى عن أن المنطقة تمر بمرحلة خطرة ليست توصيفاً إنشائياً، بل قراءة لواقع تتقاطع فيه:

  • النزاعات الممتدة
  • هشاشة بعض الدول
  • تصاعد التهديدات البحرية
  • وتآكل الثقة في آليات الأمن الجماعي

الدعوة إلى تعزيز التنسيق العربي وأدوات الدبلوماسية الوقائية تعني – عملياً – الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى منعها.

الخلاصة: عودة رجل… أم تذكير بدور؟

عودة عمرو موسى من ميونيخ ليست مجرد خبر عودة مسؤول سابق من مؤتمر دولي. إنها تذكير بأن الخبرة العربية المتراكمة لا تزال مطلوبة في لحظة اضطراب عالمي.

ميونيخ هذا العام لم يكن فقط منصة لعرض المخاوف، بل مساحة لإعادة رسم خطوط التوازن.
وفي قلب تلك الخطوط، كان هناك صوت عربي يحاول أن يقول:

إن أمن الشرق الأوسط لا يُستورد… بل يُصاغ من الداخل، بشراكة واعية مع العالم، لا بتبعية له.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى