
أشرف أبو عريف
في لحظة إقليمية فارقة، اختارت القاهرة أن ترفع منسوب الحراك السياسي بالتوازي مع تصاعد ألسنة اللهب العسكرية في محيط إيران. الاتصالات الهاتفية المكثفة التي أجراها وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرّد متابعة تقليدية للأحداث، بل باعتبارها تحركًا استباقيًا لإعادة تموضع التوازنات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
أولاً: قراءة في التوقيت
يأتي هذا الحراك في ظل تصعيد عسكري خطير يهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، ويضع أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة أمام اختبار غير مسبوق.
القاهرة تدرك أن أي انفجار واسع النطاق لن يبقى محصورًا جغرافيًا، بل سيمتد أثره إلى الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وقناة السويس، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة على مصر.
ثانيًا: شبكة الاتصالات… خريطة تحالفات متوازنة
اللافت في التحركات المصرية أنها جمعت بين:
- دول الخليج العربي
- قوى إقليمية فاعلة
- عواصم أوروبية مؤثرة
- الاتحاد الأوروبي كمؤسسة سياسية
هذه المقاربة تعكس إدراكًا بأن الأزمة لم تعد إقليمية بحتة، بل باتت ذات أبعاد دولية مركّبة، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية بالطاقة، والردع العسكري بالمفاوضات النووية، والسيادة الوطنية بمفهوم الأمن الجماعي.
ثالثًا: رسائل القاهرة الأساسية
من خلال مضمون الاتصالات، يمكن استخلاص ثلاث رسائل استراتيجية واضحة:
- لا حلول عسكرية للأزمات الإقليمية
تأكيد مصري تقليدي يعكس ثبات العقيدة الدبلوماسية للقاهرة منذ عقود. - أولوية حماية أمن الملاحة الدولية
رسالة ضمنية بأن أي تهديد للممرات البحرية هو تهديد مباشر للاقتصاد العالمي. - رفض المساس بسيادة الدول العربية
وهو موقف يتسق مع الرؤية المصرية للأمن القومي العربي باعتباره امتدادًا للأمن الوطني.
رابعًا: بين الوساطة والتموضع
التحرك المصري لا يطرح نفسه كوساطة معلنة، لكنه يضع القاهرة في موقع “الموازن الإقليمي” القادر على التواصل مع مختلف الأطراف.
هذا التموضع يمنح مصر مساحة حركة دبلوماسية، خاصة في ظل علاقاتها المتوازنة مع العواصم الخليجية، والاتحاد الأوروبي، وكذلك قنوات الاتصال المفتوحة مع طهران في السنوات الأخيرة.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
- احتواء محدود للتصعيد عبر ضغط أوروبي – خليجي مشترك.
- تصعيد متدرج مع عمليات عسكرية موضعية متبادلة.
- انفجار إقليمي واسع يفتح جبهات متعددة، وهو السيناريو الأكثر خطورة اقتصاديًا وأمنيًا.
الخلاصة
ما تقوم به القاهرة اليوم ليس مجرد متابعة للأحداث، بل محاولة مبكرة لمنع انهيار توازن هشّ في منطقة تقف على حافة اشتعال واسع.
الدبلوماسية المصرية تتحرك بخيط رفيع بين التضامن العربي، والانفتاح الأوروبي، والحفاظ على خطوط الاتصال، في محاولة لشراء الوقت قبل أن تتغلب لغة الصواريخ على لغة السياسة.



