رئيس التحريرسلايدر

تحليل | ازدواجية الدم: لماذا يُستنكر الرد ولا يُدان العدوان؟

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في كل مرة تتحرك فيها إيران عسكرياً ضد أهداف مرتبطة بـ الولايات المتحدة أو إسرائيل، تتسابق عواصم إقليمية ودولية إلى إصدار بيانات إدانة صارمة.

لكن السؤال الذي يتكرر بإلحاح:

كم مرة أدنتم حصاراً اقتصادياً ممتداً منذ سبعة وأربعين عاماً؟
كم مرة اعتُبر الخنق المالي والعقوبات المتراكمة شكلاً من أشكال الحرب البطيئة؟
لماذا يُدان الرد فوراً… ولا يُدان الفعل التراكمي الذي سبقه لعقود؟

النووي… ومنطق القوة

  • الولايات المتحدة تمتلك نحو 5,244 رأساً نووياً (قرابة 1,770 منشورة، و1,938 في الاحتياط العسكري).
  • إسرائيل تمتلك تقديراً حوالي 90 رأساً نووياً، وليست عضواً في معاهدة حظر الانتشار النووي.

في المقابل، إيران عضو في المعاهدة وتخضع للتفتيش الدولي.

أي منطق هذا؟
تُحاصر دولة بسبب احتمالٍ مستقبلي،
بينما تُحصَّن دول تملك آلاف الرؤوس فعلياً؟

معاهدة حظر الانتشار النووي… احتكار مقنّن؟

المعاهدة تقوم على منع الانتشار ونزع السلاح تدريجياً.

لكن هل نُزع السلاح فعلاً؟
أم أُدير الامتياز النووي بطريقة تُبقي القوة في يد من امتلكها أولاً؟

حين تُدان إمكانية… ويُتجاهل واقع قائم،
فالمشكلة ليست في الانتشار،
بل في احتكار الردع.

الذاكرة الاستراتيجية التي يتجاهلها البعض

على دول الخليج أن تتذكر حقيقة تاريخية مفصلية.

خلال سنوات الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، قاد صدام حسين حرباً مفتوحة ضد إيران.
في تلك المرحلة، كانت طهران أمام احتمال استراتيجي مختلف تماماً:
كان يمكن للحرب أن تتحول إلى مشروع توسع شامل باتجاه الخليج وحقول النفط، مستفيدة من انهيار إقليمي محتمل وتعبئة أيديولوجية ثورية عارمة.

لكن ذلك لم يحدث.

لم تتحول الحرب إلى اجتياح لدول الخليج.
لم تُطرح خطة معلنة لاقتسام الحقول النفطية.
لم يُعلَن مشروع ضمّ أو احتلال مباشر.

بل إن الخطاب الرسمي الإيراني آنذاك تمسّك — على الأقل نظرياً — بمبدأ احترام سيادة دول الجوار، رغم احتدام الحرب.

هذا لا ينفي أن إيران مارست نفوذاً إقليمياً بوسائل أخرى.
ولا يلغي مخاوف بعض الدول من سياساتها.

لكنه يكسر سردية أن “الهيمنة الكاملة على الخليج” كانت قدراً حتمياً ينتظر التنفيذ.

السؤال هنا ليس دفاعاً عن طهران.
بل مساءلة لفكرة الخطر الوجودي المطلق.

لو كان الهدف الهيمنة الشاملة،
أما كانت لحظة الحرب الطويلة فرصة ذهبية لذلك؟

التاريخ لا يُقرأ بالانتقاء.
والخوف لا يُبنى على الاحتمال فقط، بل على السلوك الفعلي أيضاً.

غزة… ومعيار الصمت

حين سُحقت غزة تحت النار،
أين كانت هذه الحماسة القانونية؟
أين كانت الإدانات الصارمة؟

إذا كان الصاروخ يُهدد الاستقرار،
فماذا عن الإبادة والحصار؟

الإنسانية العليا… إلى الزوال ما لم

المشكلة ليست في إيران وحدها.
ولا في إسرائيل وحدها.
ولا في الولايات المتحدة وحدها.

المشكلة في ميزان أخلاقي يختل كلما تغيّر اسم الدولة.

الإنسانية العليا إلى الزوال ما لم:

  • يُدان الاحتكار النووي كما يُدان السعي إليه.
  • يُرفض الحصار كما يُرفض الصاروخ.
  • يُبنى موقف عربي إسلامي مستقل قائم على عدالة المعايير لا على الاصطفاف التلقائي.

في السياسة قد تُفهم الحسابات.
لكن في التاريخ لا تُغتفر الازدواجية.

ويبقى السؤال:

هل المشكلة في الرد؟
أم في النظام الذي شرعن العدوان أولاً؟

اللهم بلغت… اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى