
بقلم: د. داود زرین بور
من ميناب إلى بحر البقر، ليس الطريقُ مسافةَ خرائط، بل ممرًّا من الدم المفتوح. هنا مدرسةٌ ابتدائيةٌ للبنات في مدينة ميناب، وهناك مدرسةٌ ريفيةٌ في قرية بحر البقر. بينهما عقودٌ من الزمن، لكن الطفولةَ التي سقطت تحت الركام كانت هي هي، والصرخةُ التي خرجت من صدر أمٍّ في إيران تشبه تمامًا تلك التي مزّقت سماء الشرقية في مصر.
في صباحٍ بدا عاديًا ككلّ الصباحات، كانت حقائبُ صغيرةٌ تمضي إلى فصولها، وضفائرُ تتمايلُ على أكتافٍ لم تعرف بعدُ ثقلَ العالم. عند رنين الجرس—الذي اعتاد أن يعلن تبديل الحصص—دوّى انفجارٌ بدّل الحياةَ نفسها. جدرانٌ تمزّقت، سقفٌ انهار، ودفاترُ بقيت مفتوحةً على أسماءٍ لن تُستكمَل سطورُها.
مائةٌ وثمانون روحًا—معظمُها طفلاتٌ بين السابعة والثانية عشرة—ارتفعت فجأةً من ضجيج الدرس إلى صمت القبور. وخمسٌ وتسعون جريحةً حملن الشظيةَ في الجسد والذاكرة.
المشهدُ، في دموِيّته، يستدعي صباح الثامن من أبريل 1970، حين استُهدفت مدرسةُ بحر البقر فسقط ثلاثون طفلًا ودُمِّر المبنى بالكامل. يومها قيل—كما يُقال دائمًا—إن الهدفَ عسكريٌّ، وإن الخطأ وارد. لكن الخطأ حين يسقط فوق مقعدٍ دراسيٍّ لا يعود احتمالًا؛ يصبح جريمةً مكتملة الأركان.
المدرسةُ ليست حجرًا على هامشِ معركة، بل وعدًا بالنجاة من المعارك. هي المكانُ الذي يتعلّم فيه الطفلُ كيف يكتب اسمَه، لا كيف يُكتب اسمُه على شاهد قبر. حين تُقصف مدرسة، لا يُستهدف مبنًى؛ يُستهدف المستقبلُ نفسه.
فأيُّ منطقٍ يبرّر أن تتحوّل السبّورةُ إلى شاهدةِ قبر، وأن يُمحى الدرسُ بالدم؟
القانونُ الدولي الإنساني—كما نصّت عليه اتفاقيات جنيف—يمنح الأطفالَ حمايةً خاصةً زمن الحرب. هذه نصوصٌ محفوظةٌ في أرشيف الضمير العالمي. لكن ماذا يبقى من الكلمات حين لا تحمي جسدًا صغيرًا من شظية؟
أيُّ قيمةٍ لمعاهدةٍ لا تمنع ركامًا فوق ضفائر طفلة؟ وأيُّ معنى لخطاب “حقوق الطفل” إذا صار يُتلى فوق المقابر؟
ليس المقصودُ أن نغرق في الجدل السياسي، بل أن نتوقّف أمام صورةٍ واحدة: مقعدٌ دراسيٌّ فارغ، وحقيبةٌ لم يعد صاحبُها إليها. في تلك الصورة تتكثّف المأساة، وتذوب الحدود. الدمُ لا يحمل جواز سفر، والدمعةُ لا تحتاج مترجمًا.
من يرى طفلةً تحت الركام، يرى طفلته هو. ومن يسمع صرخةَ أمّ، يسمع قلبه وهو ينكسر.
في بحر البقر، بقيت بقايا الدفاتر وقطع القنابل شاهدًا في ذاكرةٍ وطنيةٍ ترفض النسيان. وفي ميناب، سيبقى الركامُ علامةً على أن العالم تأخّر مرةً أخرى عن إنقاذ البراءة. الذاكرةُ لا تموت، لكنها لا تعيد طفلًا إلى مقعده.
حين تُستهدف الطفولة، يسقط القناع عن كلِّ خطابٍ يبرّر العنف باسم الضرورة.
لا ضرورةَ تبيح اقتلاع زهرةٍ قبل أن تتفتح. لا ضرورةَ تشرّع رصاصةً في صدر كتاب. لا ضرورةَ تُقنع أمًّا بأن ابنتها كانت “هدفًا عرضيًا”.
الشيءُ الذي آلمَكَ آلَمني… لأن الألم حين يسكن جسدَ طفلٍ يصبح إنسانيًا خالصًا، عاريًا من السياسة، ثقيلًا كالحقيقة.
المدرسةُ—حيثما قامت—هي بيتُ البراءة.
وحين يُوجَّه الصاروخُ إلى بيت البراءة، فإن الشظايا لا تصيب جدارًا فحسب…
بل تمتحن معنى الإنسان فينا جميعًا.



