رئيس التحريرسلايدر

أوزبكستان تكتب وصفة النزاهة: نموذج إصلاحي قد يُحرج الدول الأكثر فسادًا في العالم

من مكافحة الفساد إلى إعادة هندسة الدولة

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

لم تعد مكافحة الفساد في Uzbekistan مجرد شعار سياسي أو حملة موسمية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ركيزة أساسية في مشروع إعادة بناء الدولة.
فما بدأ بإصلاحات قانونية متفرقة تطوّر تدريجيًا إلى عملية تحول مؤسسي شاملة تمس بنية الإدارة العامة، وآليات الحوكمة، وأنظمة تقديم الخدمات الحكومية.

اليوم تسعى أوزبكستان إلى بناء نموذج متكامل لمكافحة الفساد يقوم على أربعة أعمدة رئيسية:
القانون الصارم، والرقمنة، والمساءلة المؤسسية، والانخراط الدولي.

هذا النموذج – إذا استمر في الترسخ – قد يتحول إلى مرجع عملي للدول التي تعاني من فساد بنيوي مزمن.

بناء الأساس القانوني الصلب

كانت نقطة التحول الكبرى في عام 2017 مع اعتماد قانون “مكافحة الفساد”، وهو القانون الذي فتح الباب أمام موجة واسعة من التشريعات التنظيمية.

ومنذ ذلك الحين تم إصدار أكثر من 30 قانونًا ولوائح تنظيمية لتعزيز منظومة النزاهة العامة.

وشملت الإصلاحات:

  • تنظيم تضارب المصالح للمسؤولين الحكوميين
  • وضع قواعد صارمة للهدايا والامتيازات
  • تشديد العقوبات الجنائية على الرشوة
  • إدراج مبادئ مكافحة الفساد داخل الدستور المعدل للبلاد

إن إدراج مكافحة الفساد في الدستور لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل رسالة سياسية واضحة:
النزاهة لم تعد قضية إدارية، بل أولوية سيادية للدولة.

الرقمنة: السلاح الجديد ضد الرشوة

أحد أبرز ملامح التجربة الأوزبكية هو تسخير التكنولوجيا لتقليص الاحتكاك البشري في المعاملات الحكومية، وهو المصدر التقليدي للرشوة والوساطة.

وقد اعتمدت الدولة مبدأ بسيطًا لكنه بالغ التأثير:

“الوثائق تتحرك… وليس المواطن.”

وبناء على ذلك تم إنشاء شبكة وطنية من مراكز الخدمات الحكومية، إضافة إلى منصة الخدمات الإلكترونية الموحدة التي توفر اليوم أكثر من 775 خدمة حكومية عبر الإنترنت.

كما تم تعزيز الشفافية عبر أدوات رقمية متعددة، منها:

  • بوابة البيانات المفتوحة
  • بوابة الميزانية المفتوحة
  • نشر 42 فئة من البيانات ذات الأهمية المجتمعية

وقد انعكست هذه الخطوات على المؤشرات الدولية؛ حيث قفزت أوزبكستان 138 مرتبة في تصنيف البيانات المفتوحة العالمي لتصل إلى المركز الحادي عشر عالميًا والأول في آسيا الوسطى.

وهذا التحسن لا يحمل بعدًا إداريًا فحسب، بل رسالة طمأنة للمستثمرين الدوليين بأن الشفافية تتحول إلى واقع مؤسسي.

هندسة مؤسسات مكافحة الفساد

في عام 2020 تم إنشاء وكالة مكافحة الفساد، وهي هيئة مستقلة ترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس الدولة وتخضع في الوقت نفسه لرقابة البرلمان.

كما تم تأسيس:

  • مجالس وطنية وإقليمية لمكافحة الفساد
  • لجان برلمانية متخصصة
  • وحدات امتثال داخل معظم المؤسسات الحكومية والبنوك الحكومية

وتعمل هذه الوحدات على تقييم المخاطر ومنع الفساد قبل وقوعه، ما يمثل انتقالًا من منطق العقاب بعد الجريمة إلى منطق الوقاية المؤسسية.

كما يُرفع تقرير وطني سنوي لمكافحة الفساد إلى البرلمان لتقييم الأداء وكشف نقاط الضعف.

إصلاح المشتريات الحكومية: معركة المال العام

تُعد المشتريات الحكومية أحد أكثر القطاعات عرضة للفساد في العالم.
ولذلك أطلقت أوزبكستان إصلاحًا واسعًا في هذا المجال.

تم اعتماد قانون جديد للمشتريات العامة، وإنشاء منصات إلكترونية تضمن المنافسة والشفافية في المناقصات.

كما أطلقت الحكومة برامج تجريبية تستهدف القطاعات الأكثر عرضة للفساد مثل:

  • البناء
  • التعليم العالي
  • الرعاية الصحية
  • المشتريات الحكومية

وتحمل هذه المبادرات أسماء دالة مثل:

“قطاع خالٍ من الفساد”
و**”منطقة خالية من الفساد”**
و**”وزارة مفتوحة وخاضعة للمساءلة”**.

إشراك المواطنين والمجتمع المدني

لم تعد مكافحة الفساد مسؤولية الدولة وحدها.
فقد أطلقت أوزبكستان آليات لتشجيع المبلغين عن الفساد وتوفير الحماية القانونية لهم.

كما أُنشئت منصة إلكترونية للإبلاغ عن الانتهاكات، بالتعاون مع:

  • United Nations Development Programme
  • European Union

إضافة إلى مركز اتصال خاص لتلقي البلاغات.

كما تخصص الدولة حوالي 10 مليارات سوم سنويًا لدعم مبادرات المجتمع المدني في مجالات الشفافية والنزاهة.

وفي عام 2025 تم إطلاق الأكاديمية الافتراضية لمكافحة الفساد بهدف بناء قدرات الموظفين الحكوميين وترسيخ ثقافة النزاهة.

الإعلام والبحث العلمي في معركة الشفافية

أدركت أوزبكستان أن أي منظومة فعالة لمكافحة الفساد تحتاج إلى رقابة مجتمعية مستقلة.

ولهذا يتم دعم:

  • الصحافة الاستقصائية
  • الخبراء المستقلين
  • المؤسسات البحثية

كما تم إنشاء مركز إقليمي لدراسات مكافحة الفساد يعمل كمنظمة غير حكومية لإجراء الأبحاث وتقييم المخاطر ومراقبة تطبيق المعايير الدولية مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

انفتاح دولي واسع

وسّعت أوزبكستان تعاونها الدولي بشكل كبير في هذا المجال.

فهي تتعاون مع أكثر من 15 منظمة دولية، منها:

  • United Nations Office on Drugs and Crime
  • Organisation for Economic Co-operation and Development
  • Organization for Security and Co-operation in Europe
  • World Bank

كما وقعت أكثر من 25 اتفاقية تعاون ثنائية مع هيئات مكافحة الفساد في مختلف دول العالم.

وفي خطوة تعكس الثقة الدولية المتزايدة، تقرر أن تستضيف أوزبكستان عام 2027 الدورة الثانية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

تجربة إصلاحية قيد التشكل

لا تقدم أوزبكستان تجربتها بوصفها حملة مؤقتة، بل باعتبارها تحولًا هيكليًا طويل المدى في ثقافة الحكم.

فمن خلال الجمع بين:

  • الدسترة القانونية
  • الشفافية الرقمية
  • الوقاية المؤسسية
  • المشاركة المجتمعية
  • والمعايير الدولية

تسعى البلاد إلى بناء دولة أكثر مساءلة ونزاهة.

ورغم أن التحديات لا تزال قائمة، فإن مسار الإصلاح في أوزبكستان يبعث رسالة واضحة:
محاربة الفساد ليست شعارًا أخلاقيًا، بل مشروع بناء دولة.

وبالنسبة للمراقبين الدوليين والمستثمرين، فإن التجربة الأوزبكية تقدم حالة دراسية مهمة لدول تبحث عن الخروج من أسر الفساد البنيوي.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى