رأىسلايدر

حين تتحول الرذيلة إلى لغة سلطة… وتصبح الفضائح عُملة سياسية

Listen to this article

لواء د. محمود ريحان يكتب

لم تكن قصة جيفري إبستين يومًا مجرد حكاية رجل ثري منحرف، ولا فضيحة أخلاقية عابرة كما حاول الخطاب الرسمي والإعلامي السائد أن يقدّمها. منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن هناك شيئًا لا يُقال، شيئًا أعمق من جزيرة، وأوسع من شبكة استغلال، وأخطر من مجرد جرائم جنسية، مهما بلغت بشاعتها.

كانت القصة، في جوهرها، نافذة نادرة فُتحت على طريقة اشتغال السلطة في عالمنا المعاصر، ثم أُغلقت بعنف.

إبستين لم يأتِ من طبقة المال التقليدية، ولم يصعد عبر مسار اقتصادي مفهوم. لا شركة عملاقة، ولا اختراع، ولا مضاربة أسطورية تفسّر ثروته ونفوذه. ومع ذلك، وجد نفسه فجأة في قلب دوائر القرار؛ يصادق رؤساء، ويجالس أمراء، ويسافر مع سياسيين، ويدخل أماكن لا يدخلها إلا من يحمل قيمة خاصة.

في عالم السياسة، هذه القفزات لا تُفسَّر بالحظ، بل بالوظيفة.

جزيرته الخاصة في الكاريبي لم تكن مجرد ملاذ خاص، بل فضاءً مغلقًا صُمِّم بعناية ليكون خارج الرقابة، وخارج القانون، وخارج أي مساءلة. المكان ذاته كان جزءًا من الآلية: عزلة، خصوصية مطلقة، ضيوف مختارون بعناية، وضحايا في موقع لا يسمح لهن بالرفض أو النجاة.

لكن الأخطر من الفعل نفسه هو ما كان يُصنع حوله: التوثيق، والتسجيل، والمعرفة الدقيقة بمن فعل ماذا، ومتى، ومع من. هنا تتحول الجريمة من شهوة إلى أداة، ومن انحراف إلى رأس مال سياسي.

عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح من السذاجة النظر إلى إبستين كفاعل منفرد. فالنمط الذي تشكّل حوله — من حماية قانونية غير مبررة، وصفقات قضائية فاضحة، وتدخلات ناعمة أوقفت التحقيقات في لحظات حاسمة — لا يشير إلى شخص، بل إلى منظومة.

منظومة تعرف جيدًا قيمة الأسرار، وتفهم أن التحكم لا يُمارس دائمًا بالقوة، بل أحيانًا بالملفات.

عندما أُوقف إبستين للمرة الأولى عام 2008، كانت الأدلة كافية لإدانته إدانة ساحقة. ومع ذلك، خرج بحكم مخفف يكاد يكون إهانة لفكرة العدالة ذاتها. سُمح له بالحركة، واحتُسب له السجن كإجراء شكلي، وكأن الدولة كانت تقول ضمنيًا: هذا الرجل لا يُمس.

لم يكن ذلك خللًا في النظام، بل تعبيرًا دقيقًا عن أولوياته. العدالة هنا لم تُهزم، بل تنحّت طواعية.

وهذا المنطق نفسه لا ينطبق على جرائم الأفراد فحسب، بل يتسع ليشمل آليات القضاء الدولي ذاتها، خاصة تلك التي تُعلن عبر تسريبات وزارة العدل الأمريكية. فهذه التسريبات — من الملف السويسري إلى وثائق باندورا — ليست انفجارًا عفويًا للشفافية، بل إفصاحًا مُتحكَّمًا به.

إنها جزء من لعبة أكبر: لعبة الإشارات الموجّهة، والملفات التي تُفتح وتُغلق وفق حسابات القوة، لا العدالة.

وكما كانت جزيرة إبستين منطقة رمادية خارج القانون، فإن الملاذات الضريبية والصناديق الوهمية هي فضاءات قانونية مُصمَّمة لتبقى في الظل، حتى يحين وقت استخدامها كورقة ضغط.

في كل مرة تُعلن فيها وزارة العدل تحقيقًا دوليًا ضد فساد أو غسل أموال، فإن السؤال الجوهري ليس: من سُجِّل؟ بل: من لم يُسجَّل؟

فالقضاء هنا لا يعمل كآلة محايدة، بل كلاعب في ساحة المصالح. التحقيقات تُفتح عند الحاجة إلى تهديد نظام، أو إسقاط شخص، أو إرسال رسالة. أما عندما يتعلق الأمر بحلفاء الاستقرار، فإن العدالة تبطئ، وتتلكأ، وتفقد الأدلة.

ومع إعادة فتح قضية إبستين عام 2019، بدا للحظة أن النظام نفسه فقد السيطرة. الإعلام بدأ يقترب، والضحايا تجرأن على الكلام، والأسماء الثقيلة صارت قاب قوسين من الظهور العلني.

عند هذه النقطة، حدث ما لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لفهم دلالته: إبستين مات.

لا في مواجهة، ولا في محاولة هروب، بل في زنزانة يُفترض أنها الأكثر مراقبة في أمريكا. كاميرات تعطلت، حراس ناموا، وأهم شاهد في قضية تمس قلب النخبة العالمية انتحر.

موته لم يُنه القصة، بل أعاد توجيهها. فجأة تحولت الأسئلة من: من تورط؟ إلى: هل انتحر أم لا؟

وهذه نقلة ذكية في إدارة الرأي العام؛ لأن الجدل حول الطريقة يستهلك الطاقة، ويُبعد الانتباه عن الجوهر: الملفات التي لم تُفتح، والأسماء التي لم تُذكر، والشبكات التي بقيت قائمة.

الإعلام لعب دوره الكامل في هذه العملية. فبدلًا من تفكيك البنية السياسية للقضية، جرى اختزالها في فضيحة أخلاقية مثيرة، صالحة للعناوين السريعة، وغير مهددة للنظام.

والسبب ليس مهنيًا فقط، بل اقتصادي أيضًا.

الإعلام المعاصر لم يعد سلطة مستقلة، بل جزءًا من منظومة إعلان وتمويل. الشركات الكبرى، والبنوك، وصناديق الاستثمار هي ذاتها التي تتحرك في فلك السياسة، وتحدد ما يُقال، وما يُؤجل، وما يُدفن.

الحقيقة، في هذا السياق، ليست قيمة مطلقة، بل بندًا تفاوضيًا.

وهذا ما ينطبق أيضًا على التسريبات الكبرى التي هزت المنطقة العربية؛ فهي لم تكن نتاج صحافة استقصائية محضة، بل نتيجة تفاعل معقد بين أجهزة المخابرات، والتحقيقات القضائية، والاستراتيجيات السياسية.

الملفات تُسلَّم للإعلام في وقت محدد، وبجرعة محسوبة، لتحقيق أهداف تتجاوز الشفافية.

من هنا يمكن فهم لماذا لم تُستكمل القصة حتى نهايتها المنطقية؛ لأن نهايتها لم تكن ستسقط شخصًا، بل كانت ستكشف نموذجًا كاملًا لإدارة العالم.

كيف تُدار الانحرافات بدلًا من القضاء عليها، وكيف تُستخدم الرذيلة كوسيلة ضبط، وكيف يصبح الفساد المنظم أكثر فاعلية من القمع العلني.

وهذا النموذج نفسه يتجلى في منطقتنا العربية، التي ليست استثناءً، بل طرفًا فاعلًا في هذه المعادلة.

أنظمة فاسدة لم تعش فقط بقمع شعوبها، بل باندماجها في شبكات تمويل وحماية دولية. الصمت، والولاء، وفتح الأسواق، وضبط الإيقاع الداخلي، كلها عملات تُدفع مقابل بقاء النظام، مهما كان ثمنه الأخلاقي أو الإنساني.

النموذج الإبستيني هنا ليس نسخة حرفية، لكنه منطق واحد: امتلك الملف… تملك القرار.

القضية، إذن، لا تتعلق بجزيرة ولا برجل، بل بعالم اختار أن يُدار من خلف الستار، وأن يُبقي الحقيقة دائمًا في المنطقة الرمادية.

إبستين لم يكن استثناءً، بل تجسيدًا فاضحًا لما يحدث عادة في صمت.

وموته، مثل التسريبات الموجهة، لم يكن نهاية القصة، بل تأكيدًا لها.

في عالم كهذا، لا تُسأل السلطة عما تفعل، بل عما تسمح بكشفه.

وما سُمح لنا برؤيته في قضية إبستين، وفي موجات التسريبات القضائية، قد يكون أقل بكثير مما جرى، لكنه كان كافيًا ليقول شيئًا واحدًا بوضوح:

إن النظام العالمي لا يخاف من الجريمة… بل يخاف فقط من أن تُفهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى