
محمد عرفة يكتب
في مشهدٍ تتداخل فيه الحقيقة بالدعاية، وتختلط فيه الوقائع بالرسائل النفسية، يطفو سؤال مُقلق على سطح الصراع:
لماذا تبدو عمليات الاغتيال الإسرائيلية أكثر “نجاحًا” وفاعلية، بينما تغيب العمليات الإيرانية المماثلة عن تحقيق أهداف مماثلة؟
بعيدًا عن تأكيد أو نفي الروايات المتداولة، فإن قراءة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمنطق تقني مبسط أو تفسير أحادي، بل عبر فهم مركّب لطبيعة الحروب الحديثة، حيث لا تُحسم المعارك بالقوة النارية وحدها، بل بمنظومات كاملة من الاستخبارات، والاختراق، والسيطرة على المجال المعلوماتي.
أولًا: الاستخبارات قبل السلاح
الاغتيال في جوهره ليس عملية عسكرية، بل عملية استخباراتية دقيقة. نجاح أي عملية من هذا النوع يعتمد على اختراق عميق للشبكات البشرية أو التقنية داخل بيئة الهدف.
إسرائيل، عبر عقود، استثمرت بشكل مكثف في بناء شبكات معقدة من جمع المعلومات، تشمل المصادر البشرية (HUMINT) والتقنية (SIGINT)، ما يمنحها أفضلية في تحديد “اللحظة المناسبة” قبل الضغط على الزناد.
في المقابل، لا يعني غياب عمليات إيرانية مماثلة ضعفًا مطلقًا، بل قد يعكس اختلافًا في طبيعة العقيدة الأمنية أو القيود العملياتية، أو حتى نجاحًا في إحباط عمليات لم يُعلن عنها.
ثانيًا: التكنولوجيا عامل مهم… لكنه ليس الحاسم الوحيد
لا شك أن التطور التكنولوجي—بما فيه تقنيات التعرف على الوجوه، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي—يلعب دورًا متزايدًا في الحروب الحديثة.
لكن ربط هذا التفوق بشركات بعينها أو بتفسيرات تبسيطية يُغفل حقيقة أساسية: هذه الأدوات لا تعمل في فراغ، بل ضمن منظومة دولة كاملة، تشمل القرار السياسي، والغطاء القانوني، والتنسيق العسكري.
كما أن الحديث عن “دقة مطلقة” هو طرح مضلل؛ إذ تشير تجارب النزاعات الحديثة إلى أن الخطأ في الاستهداف يظل قائمًا، وغالبًا ما تكون له كلفة إنسانية فادحة.
ثالثًا: طبيعة الأهداف والبيئة العملياتية
تنفيذ اغتيال داخل أراضٍ معادية يتطلب بيئة اختراق، سواء عبر عملاء، أو مراقبة طويلة الأمد، أو سيطرة نسبية على المجال الجوي أو الإلكتروني.
إسرائيل، في بعض الساحات، تعمل ضمن بيئات مخترقة أو مكشوفة نسبيًا، بينما تواجه إيران بيئة مختلفة تمامًا حين يتعلق الأمر باستهداف قادة داخل إسرائيل، حيث الكثافة الأمنية والتكنولوجية المضادة أعلى بكثير.
رابعًا: الحرب النفسية وصناعة الصورة
جزء كبير من “نجاح” العمليات يُبنى على كيفية تسويقها إعلاميًا.
الإعلان السريع، وتسريب “المعلومات الذهبية”، وتضخيم دقة العمليات—كلها أدوات ضمن حرب نفسية تهدف إلى ترسيخ صورة التفوق، وزرع الشك داخل الطرف الآخر.
في المقابل، قد تتعمد بعض الدول الصمت أو النفي، إما لاعتبارات داخلية، أو لتجنب التصعيد، ما يخلق انطباعًا غير متوازن لدى الرأي العام.
خامسًا: القيود السياسية والاستراتيجية
ليست كل دولة تسعى لتنفيذ اغتيالات مباشرة، حتى لو امتلكت القدرة.
القرار هنا سياسي بامتياز: مرتبط بحسابات الردع، وتوازنات الإقليم، واحتمالات التصعيد الشامل.
إيران، على سبيل المثال، غالبًا ما تعتمد استراتيجيات غير مباشرة، عبر حلفاء أو أدوات ضغط متعددة، بدل الانخراط في نمط اغتيالات مباشر عالي المخاطر.
خلاصة المشهد:
ليست المسألة تفوق صاروخ على آخر، ولا برنامج على آخر، بل هي معادلة مركّبة من:
معلومة دقيقة + اختراق عميق + توقيت محسوب + قرار سياسي جريء.
وفي قلب هذه المعادلة، يبقى الإنسان—بخطئه وصوابه—العامل الأكثر تأثيرًا… والأكثر كلفة.
وهنا تكمن المأساة:
حين تتحول المدن إلى خرائط أهداف، والبشر إلى “إحداثيات”، تصبح النجاحات العسكرية—مهما بلغت دقتها—وجوهًا أخرى لفشلٍ إنسانيٍّ أكبر.



