رأىسلايدر

مصر.. العقدة الاستراتيجية في شبكة إدارة النظام العالمي التي لا يمكن تجاوزها

Listen to this article

د. محمود ريحان مرجان

لطالما اعتاد كثيرون النظر إلى مصر باعتبارها دولة ذات حضارة عريقة، وجيش قوي، ومكانة تاريخية راسخة في محيطها العربي والإقليمي. غير أن التطورات التي شهدتها قمة مجموعة السبع لعام 2026 كشفت عن تحول أعمق في موقع القاهرة على خريطة السياسة الدولية؛ فمصر لم تعد مجرد دولة إقليمية مؤثرة، بل أصبحت عقدة استراتيجية يصعب تجاوزها في شبكة إدارة النظام العالمي الجديد.

فالدعوة الرسمية التي وُجهت إلى مصر للمشاركة في قمة مجموعة السبع لم تكن مجاملة دبلوماسية أو تكريماً لمكانتها التاريخية، بقدر ما كانت اعترافاً عملياً بأن عدداً من الملفات الأكثر تعقيداً على الأجندة الدولية باتت ترتبط بصورة مباشرة بالدور المصري. لقد أصبح واضحاً أن هناك قضايا لا يمكن الوصول فيها إلى حلول مستقرة أو قابلة للتنفيذ من دون حضور القاهرة ومشاركتها الفاعلة.

وفي حين كانت مشاركة الدول غير الأعضاء في قمم دولية سابقة تقتصر غالباً على حضور بروتوكولي أو كلمات عامة، فإن طبيعة الحضور المصري خلال السنوات الأخيرة اتخذت طابعاً مختلفاً؛ إذ باتت مصر طرفاً مشاركاً في النقاشات المتعلقة بالأمن الإقليمي، واستقرار الممرات البحرية، والهجرة، والطاقة، وإدارة الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط وإفريقيا. وهو تحول يعكس حقيقة مهمة مفادها أن العالم لم يعد يبحث من القاهرة عن الدعم السياسي فحسب، بل عن الخبرة الميدانية والقدرة على التنفيذ والتأثير.

ويعود هذا التحول إلى امتلاك مصر مجموعة من الأوراق الاستراتيجية التي تجعلها رقماً صعباً في الحسابات الدولية. ففي مقدمة هذه الأوراق يأتي ملف غزة، الذي تحول من نزاع إقليمي إلى قضية ذات أبعاد دولية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية والسياسية. وعلى مدار عقود، احتفظت مصر بقنوات تواصل وعلاقات اتصال مع مختلف الأطراف المعنية، ما جعلها الوسيط الأكثر قدرة على إدارة ترتيبات وقف إطلاق النار ومتابعة تنفيذها على الأرض. وقد أثبتت التجارب المتكررة أن أي تفاهمات لا تحظى بدور مصري فاعل تظل معرضة للتعثر أو الفشل عند الانتقال من مرحلة الاتفاق إلى مرحلة التنفيذ.

إلى جانب ذلك، تظل قناة السويس إحدى أهم ركائز القوة الجيوسياسية المصرية. فالقناة ليست مجرد ممر مائي تعبر من خلاله نسبة معتبرة من التجارة العالمية، بل أصبحت في ظل اضطرابات البحر الأحمر وتزايد المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد الدولية عنصراً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي. ومن ثم، فإن مصر لم تعد تؤدي دور حارس الممر الملاحي فحسب، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية على مستوى العالم، وهو ما يمنحها وزناً يتجاوز حدود الإقليم إلى المجال الدولي الأوسع.

كما يكتسب الدور المصري أهمية متزايدة في معادلة أمن البحر الأحمر، ذلك الممر الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية؛ فسلامة الملاحة البحرية، وأمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق أصبحت جميعها مرتبطة بدرجة كبيرة بالأوضاع الأمنية في هذه المنطقة الحساسة. وفي هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها شريكاً رئيسياً في منظومة الأمن البحري الإقليمي، مستندة إلى موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف الفاعلة في المنطقة.

أما ملف الهجرة غير النظامية، فقد أضاف بعداً جديداً للأهمية الاستراتيجية لمصر بالنسبة إلى أوروبا؛ فالقاهرة لا تمثل مصدراً رئيسياً للهجرة بقدر ما تمثل منطقة استقرار واستيعاب لملايين اللاجئين والنازحين القادمين من بؤر الصراع المحيطة، كما أنها تؤدي دوراً مهماً في ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر. ومن هذا المنطلق، تدرك العواصم الأوروبية أن استقرار مصر يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الضفة الشمالية للمتوسط، وأن أي اضطراب واسع النطاق في الداخل المصري ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الدولة إلى القارة الأوروبية نفسها.

لكن أهمية مصر في النظام الدولي لا تعني أنها تؤدي هذا الدور من دون مقابل؛ فكلما تعاظمت أهمية الدولة في إدارة الملفات الدولية، ازدادت قدرتها على تحسين شروطها التفاوضية. ومن الطبيعي أن تسعى القاهرة إلى ترجمة وزنها السياسي والاستراتيجي إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة، سواء من خلال جذب الاستثمارات، أو تخفيف الضغوط المالية، أو توسيع نطاق الشراكات الصناعية والتكنولوجية، أو تعزيز حضورها في المؤسسات الاقتصادية الدولية المؤثرة. كما تدرك مصر أن دورها كوسيط موثوق في أزمات المنطقة يمنحها رصيداً سياسياً يمكن توظيفه لحماية مصالحها وتعزيز مكانتها الدولية.

وتتزامن هذه التحولات مع تغيرات أوسع يشهدها النظام العالمي نفسه؛ فالعالم لم يعد محكوماً بالصيغة التقليدية التي تهيمن فيها قوة عظمى واحدة أو قطبان متنافسان، بل يتجه تدريجياً نحو نظام أكثر تعقيداً تتوزع فيه مراكز التأثير بين عدد من القوى الدولية والإقليمية. وفي هذا السياق، برزت أهمية ما يُعرف بـ “الدول متوسطة القوة”، وهي الدول القادرة على التأثير في محيطها الجغرافي وامتلاك أدوات تتيح لها لعب أدوار تتجاوز حجمها الاقتصادي أو العسكري التقليدي.

وتُعد مصر نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فهي تقع عند نقطة التقاء العالم العربي، وإفريقيا، والبحر المتوسط، والعالم الإسلامي، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والدبلوماسية، فضلاً عن سيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لذلك، فإن قيمتها الاستراتيجية لا تنبع من عنصر واحد، بل من تداخل مجموعة من العناصر الجغرافية، والسياسية، والأمنية، والاقتصادية التي تجعل من الصعب تجاوزها عند التعامل مع كثير من الملفات الدولية.

لقد تغير مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين؛ فلم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات أو حجم الترسانة العسكرية، بل أصبحت تُقاس أيضاً بالقدرة على إدارة الأزمات، وتأمين الممرات الحيوية، وبناء شبكات النفوذ والعلاقات، وامتلاك الموقع الجغرافي القادر على التأثير في حركة التجارة والطاقة والهجرة. وفي هذه المعايير الجديدة، تحتل مصر موقعاً متقدماً يجعلها أحد الفاعلين المهمين في المشهد الدولي المتشكل أمامنا.

ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس صعوداً مفاجئاً لمكانة مصر، بل نتيجة مسار طويل من التراكم السياسي، والجغرافي، والاستراتيجي. فالقاهرة لم تعد مجرد دولة تمر عبرها أزمات المنطقة، بل أصبحت طرفاً أساسياً في إدارتها، واحتوائها، والمساهمة في صياغة مسارات الحلول الممكنة لها. وفي عالم يتجه نحو شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، تبدو مصر أكثر من مجرد دولة محورية؛ إنها عقدة استراتيجية رئيسية في معادلة دولية يصعب تجاوزها أو الاستغناء عنها.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى