رئيس التحريرسلايدر

الأمم المتحدة في نيويورك.. أم نيويورك في الأمم المتحدة؟! بكين تنتظر المفتاح

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

 

هناك سؤال يبدو ساخرًا للوهلة الأولى، لكنه ربما أصبح يستحق أن يُطرح بجدية: هل ما زالت نيويورك تستضيف الأمم المتحدة، أم أن الأمم المتحدة أصبحت ضيفةً لدى نيويورك؟!

السؤال ليس وليد أزمة تأشيرة إيرانية عابرة، ولا خلافًا بروتوكوليًا حول صحفي أو مسؤول. إنه يتعلق بجوهر فكرة المنظمة الدولية نفسها: هل مقر الأمم المتحدة فضاء دولي تقف عند بابه جميع الدول على قدم المساواة، أم أن الدولة المضيفة تستطيع أن تقرر من يدخل ومن لا يدخل؟

فالولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، لكنها ليست مالكة للمنظمة الدولية ولا صاحبة القرار في تشكيل وفود الدول الأعضاء. واتفاق المقر لعام 1947 يتضمن التزامات تتعلق بتيسير وصول المدعوين وممثلي الدول إلى مقر المنظمة.

ومع ذلك، فإن تاريخ الأمم المتحدة يحمل سجلًا طويلًا من أزمات التأشيرات.

من عرفات إلى بزشكيان.. دفتر التأشيرات

لعل أشهر تلك الوقائع تعود إلى ياسر عرفات عام 1988.

فقد تقدمت منظمة التحرير الفلسطينية، عبر الأمين العام للأمم المتحدة، بطلب تأشيرة لعـرفات، بصفته رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة، للمشاركة في أعمال الدورة الثالثة والأربعين للجمعية العامة.

لكن الولايات المتحدة رفضت منحه التأشيرة.

ولم يكن رد الأمم المتحدة مجرد احتجاج دبلوماسي عابر؛ فقد اعتمدت الجمعية العامة القرار 43/48 في 30 نوفمبر 1988، وأكدت حق منظمة التحرير في اختيار أعضاء وفدها، واعتبرت قرار الدولة المضيفة رفض التأشيرة مخالفًا لالتزاماتها القانونية الدولية بموجب اتفاق المقر، وطالبت واشنطن بإعادة النظر في قرارها والتراجع عنه.

لكن واشنطن لم تتراجع.

وفي اليوم التالي أبلغت الأمين العام رسميًا بأنها لا ترى أساسًا لتغيير قرارها.

وهنا حدث ما يشبه «المفارقة الأممية الكبرى».

اضطرت الجمعية العامة إلى اتخاذ قرار 43/49 بعقد مناقشة القضية الفلسطينية في مكتب الأمم المتحدة في جنيف بدلًا من نيويورك، وصدر القرار بأغلبية 154 دولة مقابل دولتين فقط: الولايات المتحدة وإسرائيل، مع امتناع بريطانيا.

أي أن الأمم المتحدة اضطرت عمليًا إلى نقل اجتماعها بعيدًا عن مقرها لأن رئيس وفد مدعوًا إلى المشاركة لم يتمكن من دخول الدولة المضيفة!

فهل يمكن اختراع صورة أكثر سخرية من ذلك؟

الأمم المتحدة موجودة في نيويورك، لكنها لا تستطيع استقبال أحد ضيوفها في نيويورك!

ولم تكن قضية عرفات حالة يتيمة.

في 2019، كشفت مناقشات الأمم المتحدة أن 18 تأشيرة لأعضاء في الوفد الروسي لم تصدر، وهو ما أدى إلى عدم تمكنهم من المشاركة بفاعلية في أعمال الجمعية العامة. كما اشتكت إيران وسوريا وفنزويلا وغيرها من مشكلات مرتبطة بالتأشيرات وقيود الحركة.

بل إن ممثلًا روسيًا وصف آنذاك ما يحدث بأنه أزمة غير مسبوقة، فيما قال إن استضافة مقر الأمم المتحدة في نيويورك تفرض على الدولة المضيفة الحياد السياسي.

ثم جاء محمود عباس ليعيد فتح الملف الفلسطيني بصورة أكثر وضوحًا في 2025.

ففي أغسطس 2025 أعلنت الولايات المتحدة أنها ستمنع أو تلغي تأشيرات مسؤولين فلسطينيين كانوا يستعدون للمشاركة في الدورة الثمانين للجمعية العامة، ومن بينهم الرئيس محمود عباس الذي كان مقررًا أن يشارك في المناقشة العامة. وقد رفعت دولة فلسطين الأمر رسميًا إلى لجنة العلاقات مع الدولة المضيفة، مطالبة بتسهيل إصدار التأشيرات وفق اتفاق المقر.

وكانت النتيجة لافتة للغاية:

في 19 سبتمبر 2025، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل، للسماح بمشاركة ممثلي فلسطين عن بُعد بعد منعهم من المشاركة الحضورية بسبب أزمة التأشيرات.

وبذلك خاطب محمود عباس الجمعية العامة عبر الاتصال المرئي بدلًا من الوقوف أمام منبرها في نيويورك.

وهنا يصبح السؤال أكثر مرارة من السخرية:

كيف يمكن لرئيس دولة أو ممثل لشعب أن يكون مدعوًا إلى الجمعية العامة، بينما لا تستطيع الجمعية العامة نفسها أن تضمن وصوله إلى قاعتها؟

ثم جاء عام 2026 بفصل جديد.

هذه المرة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بعدما أعلن مسؤول إيراني أن الولايات المتحدة رفضت منح تأشيرات لأعضاء من الفريق الإعلامي المرافق للرئيس الإيراني إلى نيويورك.

وللمفارقة، لم تمنع واشنطن بزشكيان نفسه من الحضور، بل سمحت للوفد الإيراني الأساسي بالمشاركة، بينما ظل الخلاف قائمًا حول أعضاء من الفريق الإعلامي.

فهل أصبحت الأمم المتحدة تعمل بنظام: «الوفد الأساسي يدخل.. والإعلام ينتظر عند الباب»؟!

يا لها من طريقة مبتكرة لتعريف حرية الوصول إلى المنظمة الدولية!

ازدواجية المعايير.. أم معايير متعددة؟

وهنا تظهر القضية الأكبر: ازدواجية المعايير في التعامل الأمريكي مع من يدخل إلى نيويورك ومن يُمنع منها.

ففي الوقت الذي يمكن فيه رفض تأشيرات لمسؤولين أو أعضاء وفود أو إعلاميين من دول تختلف معها واشنطن سياسيًا، تظل أبواب نيويورك مفتوحة أمام مسؤولين إسرائيليين، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بحقه في نوفمبر 2024 مذكرة توقيف على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

والدقة هنا مهمة: مذكرة التوقيف ليست حكمًا بالإدانة.

لكن السؤال السياسي لا يختفي:

إذا كانت التأشيرة يمكن أن تصبح أداة ضغط في حالة، فلماذا لا تكون المعايير نفسها في الحالات الأخرى؟

وتزداد المفارقة عندما نتذكر أن إسرائيل نفسها تواجه منذ عقود انتقادات وقرارات أممية متكررة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن بينها قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، الذي أكد مبادئ أساسية للتسوية، بينها عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع.

ومع ذلك، فإن مخالفة أو عدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة لا تؤدي تلقائيًا إلى إغلاق أبواب المنظمة أمام المسؤولين الإسرائيليين.

وهنا لا بد من التمييز بين الحق القانوني للدول في التعامل مع قضايا الأمن والتأشيرات وبين السؤال السياسي عن اتساق المعايير.

فالمشكلة ليست أن واشنطن تستضيف الأمم المتحدة.

المشكلة أن استضافة المنظمة قد تبدو، في بعض اللحظات، وكأنها تمنح الدولة المضيفة نفوذًا على من يصل إلى المنظمة الدولية.

بكين تنتظر المفتاح

ومن هنا يأتي السؤال الذي ربما كان خياليًا بالأمس، لكنه يستحق النقاش اليوم:

لماذا لا تفتح الأمم المتحدة ملف مقرها من جديد؟

لماذا لا تبحث المنظمة عن موقع يعكس عالمًا لم يعد أحادي المركز؟

لماذا لا تكون بكين مرشحة للنقاش؟

ولماذا لا تكون فيينا أو جنيف أيضًا ضمن خيارات مطروحة؟

لا يتعلق الأمر بمعاقبة الولايات المتحدة، ولا بإهداء المقر إلى الصين.

إنه يتعلق بمبدأ أبسط:

إذا كانت الأمم المتحدة عالمية، فمن الأفضل أن يكون مقرها قادرًا على استقبال العالم كله دون أن تتحول التأشيرة إلى أداة سياسية.

قد يقول قائل إن نيويورك أصبحت جزءًا من تاريخ الأمم المتحدة.

صحيح.

لكن التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى قيد.

فالولايات المتحدة ليست الأمم المتحدة.

ونيويورك ليست العالم.

والأمم المتحدة ليست سفارة أمريكية ضخمة فوق أرض أمريكية.

إنها منظمة تضم 193 دولة، وتفترض أن يكون منبرها متاحًا للحوار حتى بين أكثر الخصوم اختلافًا.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل تستطيع الولايات المتحدة استضافة الأمم المتحدة؟

بل:

هل تستطيع استضافتها دون أن تبدو، أحيانًا، وكأنها تستضيفها بشروطها؟

وإذا ظلت أزمة التأشيرات تتكرر، فقد يكون من المشروع أن تنظر الأمم المتحدة إلى خريطة العالم مرة أخرى.

ربما إلى جنيف.

ربما إلى فيينا.

وربما إلى بكين.

فالعالم يتغير، وموازين القوة تتغير، ومفهوم التعددية الدولية يتغير.

وربما حان الوقت لأن يتغير العنوان أيضًا.

فبدل أن تسأل وفود العالم: هل تسمح واشنطن لنا بدخول الأمم المتحدة؟

قد يكون السؤال الأجدر:

هل آن الأوان لأن يكون مفتاح الأمم المتحدة في يد الأمم المتحدة نفسها؟

بكين تنتظر المفتاح… ولكن المفتاح، في النهاية، ينبغي أن يكون دوليًا لا وطنيًا.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى