مَطَارُ العَالَمِ أَمْ مَطَارُ وَاشِنْطُن؟! عِنْدَمَا يُصْبِحُ مِفْتَاحُ الطَّائِرَةِ فِي جَيْبِ تْرَامْب… وَانْتِهَاكُ سِيَادَةِ الدُّوَلِ الْمُنَفِّذَةِ

رئيس التحرير يكتب
يبدو أن العالم دخل عصرًا جديدًا في الطيران الدولي:
الطائرة إيرانية… والقرار أمريكي!
والمطار عراقي… والتهديد من واشنطن!
والرحلة عُمانية… والعقوبة من الخزانة الأمريكية!
والسماء سيادية… ولكن بطاقة المرور تحتاج إلى ختم العم سام!
يا لها من هندسة جيوسياسية رائعة!
لم تعد العقوبات الأمريكية تكتفي بالنفط والمصارف والتجارة والتكنولوجيا، بل وصلت إلى الطائرات، والوقود، وخدمات الهبوط، والخدمات الأرضية، وحتى بيع تذاكر السفر.
وفي 8 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات واسعة على قطاع الطيران الإيراني، شملت 36 جهة، بينها 27 شركة طيران إيرانية، في إطار حملة تستهدف شبكات الطيران والدعم المرتبطة بإيران.
ثم صعّد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الضغط، محذرًا من أن تقديم الوقود أو خدمات الهبوط أو بيع التذاكر للناقلات الإيرانية قد يعرّض مقدمي هذه الخدمات لعقوبات أمريكية ثانوية.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء:
الطائرة لا تزال طائرة…
والمطار لا يزال مطارًا…
والدولة لا تزال ذات سيادة…
لكن العقوبة الأمريكية تقف عند المدرج وتقول: ممنوع!
العِرَاقُ… هَلْ أَصْبَحَ الْمَطَارُ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنْ وَاشِنْطُن؟
في 22 سبتمبر، أفادت مصادر بأن الحكومة العراقية أمرت بتعليق الرحلات الإيرانية إلى مطار بغداد اعتبارًا من الأربعاء، بعد تهديد أمريكي بفرض عقوبات على المطارات ومقدمي الخدمات الذين يتعاملون مع الناقلات الإيرانية.
كما جرت مناقشات بشأن تحويل بعض الرحلات المتجهة إلى بغداد إلى مطار النجف.
أي أن الطائرة تستطيع أن تطير…
ولكن عليها أولًا أن تعرف:
بغداد أم النجف؟
والأهم: ماذا قالت واشنطن؟!
وهنا يتحول الأمر من مجرد رحلة جوية إلى سؤال عن مدى استقلال القرار السيادي عندما تصبح العقوبات الاقتصادية لقوة كبرى قادرة على التأثير في قرارات مطارات دولة أخرى.
وَسُلْطَنَةُ عُمَان… هَلْ يَحْتَاجُ الْوَسِيطُ إِلَى وَسِيط؟
أما سلطنة عُمان، صاحبة الدور المعروف في الاتصالات والوساطات الإقليمية، فقد دخلت هي الأخرى في قلب الأزمة الجوية.
وأفادت التقارير بأن الرحلات الإيرانية إلى مسقط أُوقفت، بالتزامن مع دخول الإجراءات الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، فيما كانت الاتصالات مستمرة بين طهران ومسقط بشأن ترتيبات الرحلات.
وهنا يستطيع القلم الساخر أن يسأل:
هل تحتاج الوساطة العُمانية الآن إلى وسيط؟
وهل أصبحت الطائرة الإيرانية بحاجة إلى مفاوضات سلام قبل أن تحصل على إذن بالهبوط؟!
وَبَاكُو… تَدْخُلُ الْمَدْرَجَ أَيْضًا
أما أذربيجان، فقد أعلنت الخطوط الجوية الأذربيجانية تعليق رحلات شركات الطيران الإيرانية إلى البلاد اعتبارًا من 22 سبتمبر، وربطت القرار صراحةً بحزمة العقوبات الأمريكية الجديدة، ولا سيما الإجراءات التي تستهدف قطاع الطيران الإيراني.
وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة إيران للطيران أن رحلاتها إلى باكو كانت مستمرة، وأنها لم تتلقَّ إخطارًا رسميًا من السلطات الأذربيجانية بتعليقها، بما يعكس تضاربًا في المعلومات خلال الساعات الأولى من تنفيذ الإجراءات.
وهنا يصبح المشهد أكثر إثارة للسؤال:
هل نحن أمام قرارات وطنية مستقلة متزامنة؟
أم أمام تأثير متسلسل لعقوبة واحدة صادرة من واشنطن؟
والفرق بين السؤالين ليس لغويًا؛ بل هو جوهر النقاش حول السيادة والعقوبات العابرة للحدود.
وَإِسْطَنْبُولُ تَنْضَمُّ إِلَى الْمَشْهَدِ
ولم تعد بغداد ومسقط وباكو وحدها في قلب العاصفة.
فقد علّقت شركة ماهان إير رحلاتها الدولية إلى إسطنبول وأنقرة ومسقط وسط تصاعد الضغوط الأمريكية على قطاع الطيران الإيراني، بينما ظلت رحلات شركة إيران للطيران إلى إسطنبول معلنة على جدول التشغيل، ولم تكن قد تلقت إخطارًا رسميًا من السلطات التركية بوقفها.
وهنا ينبغي التوقف عند هذه النقطة؛ فالحالة التركية ليست مطابقة تمامًا لحالات بغداد ومسقط وباكو، لكن إسطنبول دخلت بالفعل دائرة التأثيرات المباشرة للأزمة.
وهكذا تتسع الخريطة:
بغداد… ومسقط… وباكو… وإسطنبول.
مدن إقليمية كبرى، ومطارات ذات سيادة وطنية، لكنها أصبحت، بدرجات متفاوتة، أمام اختبار واحد:
هل القرار قرار الدولة صاحبة المطار… أم قرار القوة التي تستطيع معاقبة من يخالفها؟
وَمَاذَا تَقُولُ اتِّفَاقِيَّةُ شِيكَاغُو؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
اتفاقية شيكاغو لعام 1944 لا تمنح شركة طيران إيرانية أو غيرها حقًا تلقائيًا في الهبوط في أي دولة.
فالمادة الأولى تقر بأن لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على المجال الجوي فوق إقليمها، بينما تنص المادة السادسة على أن الخدمات الجوية الدولية المنتظمة لا تُشغَّل فوق إقليم دولة متعاقدة أو إليه إلا بإذن أو تفويض منها.
إذن، من الناحية القانونية البحتة، تستطيع الدولة أن تنظم دخول الطائرات الأجنبية إلى أجوائها ومطاراتها.
لكن هنا بيت القصيد:
اتفاقية شيكاغو ليست هي التي أصدرت حظرًا على الطائرات الإيرانية.
ولا توجد في هذه التطورات عقوبة صادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي تحظر الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطارات العالم.
إنما نحن أمام عقوبات أمريكية وتهديد بعقوبات ثانوية يمكن أن يدفع شركات ومطارات أجنبية إلى الامتناع عن تقديم الخدمات للناقلات الإيرانية. وقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي أن مقدمي الوقود وخدمات الهبوط وبيع التذاكر قد يواجهون عقوبات إذا تعاملوا مع شركات الطيران الإيرانية المستهدفة.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الدولية الحقيقية.
مَنْ يَمْلِكُ السَّمَاء؟
هل السماء فوق العراق ملك للعراق؟
نعم.
هل السماء فوق عُمان ملك لعُمان؟
نعم.
وهل المجال الجوي الأذربيجاني يخضع للسيادة الأذربيجانية؟
نعم.
وهل المجال الجوي التركي يخضع للسيادة التركية؟
نعم.
أما أن تمتلك الولايات المتحدة أدوات مالية هائلة تمكنها من الضغط على شركات ومطارات في دول أخرى، فهذه مسألة مختلفة تمامًا عن امتلاكها السيادة القانونية على تلك الأجواء.
وهنا تبلغ السخرية ذروتها:
واشنطن لا تملك مدرج بغداد… لكنها تستطيع تهديد من يمد الطائرة بالوقود عليه!
يا لها من سيادة في زمن الدولار!
وَإِذَا كَانَتْ وَاشِنْطُنُ تَفْرِضُ الْمُقَاطَعَة… فَهَلْ تُعِيدُ طَهْرَانُ رَسْمَ خَرِيطَةِ الْأَصْدِقَاءِ؟
وهنا نصل إلى الوجه الآخر من المعادلة.
إذا اختارت دولة ما، تحت ضغط العقوبات الأمريكية أو خشية العقوبات الثانوية، تقييد حركة شركات الطيران الإيرانية أو خدماتها، فمن الطبيعي سياسيًا أن تعيد إيران تقييم علاقاتها بهذه الدولة.
فالعلاقات الدولية ليست جمعية خيرية، ولا تقوم على قاعدة:
«أنا أطبق عقوباتك على خصمي… وأنت تظل صديقي!»
ومن الطبيعي أن تسأل طهران:
ما الذي تبقى من الشراكة الاستراتيجية؟
ما الذي تبقى من حسن الجوار؟
وما الذي تبقى من مفهوم الصديق؟
وقد تختار إيران، وفق مصالحها والتزاماتها الدولية، إعادة النظر في التسهيلات الجوية، والترتيبات التجارية، والتعاون الاقتصادي، والامتيازات الثنائية، ومستوى العلاقات السياسية.
أي أن الدولة التي تتخذ قرارًا ضد إيران لا ينبغي أن تتفاجأ إذا أعادت طهران حساباتها تجاهها.
ليس بالضرورة بإعلان الحرب.
وليس بالضرورة بإعلان العداء.
لكن ببساطة عبر قاعدة سياسية قديمة:
المعاملة بالمثل.
الصِّينُ وَرُوسْيَا… هَلْ هُنَاكَ طَرِيقٌ آخَر؟
وهنا تظهر المقارنة.
فالصين وروسيا لطالما عارضتا مبدأ العقوبات الأحادية والعقوبات التي تستهدف أطرافًا ثالثة، وتعتبران أن العقوبات التي لا تستند إلى تفويض أممي لا تتحول تلقائيًا إلى قاعدة ملزمة لجميع الدول.
وفي الأزمة الحالية، تواصل الضغوط الأمريكية امتدادها إلى الشركات والمطارات ومقدمي الخدمات الأجانب الذين يتعاملون مع شركات الطيران الإيرانية.
ومن هنا يصبح السؤال:
هل العقوبة الأمريكية شأن أمريكي داخلي… أم أنها تتحول، بفعل النفوذ المالي، إلى قاعدة عملية تلتزم بها دول أخرى؟
وهنا تصبح الكرة في ملعب الدول العربية والإسلامية المجاورة.
صَدِيقٌ لِطَهْرَان… أَمْ صَدِيقٌ لِوَاشِنْطُنَ أَوَّلًا؟
هذا هو السؤال السياسي الأكثر حساسية.
لا تستطيع إيران أن تفرض على العراق أو عُمان أو أذربيجان أو تركيا كيف تصوغ سياساتها الخارجية.
وبالمثل، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تجعل عقوباتها الوطنية قانونًا دوليًا عالميًا بمجرد إصدارها.
لكن كل دولة تتحمل سياسيًا تبعات خياراتها.
فإذا اختارت دولة ما الالتزام بالعقوبات الأمريكية على حساب مصالحها وعلاقاتها مع إيران، فمن الطبيعي أن تعيد طهران تقييم تلك العلاقة.
من يفتح أجواءه للطائرة الإيرانية، يفتح بابًا للتعاون.
ومن يغلق مطاره تحت ضغط خارجي، فعليه أن يدرك أن طهران قد تعيد النظر في:
مطاراتها، وأسواقها، واتفاقياتها، وتسهيلاتها، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية.
وهذا ليس إعلانًا تلقائيًا للعداء.
إنه ببساطة إعادة تسعير للعلاقة السياسية.
لَكِنْ هُنَاكَ خَطٌّ أَحْمَر: لَا تَجْعَلُوا الْمَدَنِيِّينَ رَهَائِن!
المعاملة بالمثل شيء.
وتحويل المنطقة إلى سلسلة من العقوبات والإجراءات الانتقامية شيء آخر.
فإذا بدأت واشنطن بالعقوبات، وردت إيران بإجراءات مضادة، وردت دولة ثالثة بإجراء جديد، ثم ردت إيران بإجراء آخر، فقد يتحول الطيران المدني نفسه إلى رهينة للصراع السياسي.
وهنا يخسر المواطن قبل الحكومات.
المسافر الإيراني ليس طرفًا في الصراع.
والمسافر العراقي ليس طرفًا فيه.
والعُماني والأذربيجاني والتركي كذلك.
ولهذا فإن أي رد متبادل ينبغي أن يظل في الإطار الدبلوماسي والقانوني، وألا يتحول إلى عقاب جماعي للمجتمعات والشعوب.
الْعُقُوبَاتُ لَيْسَتْ قَانُونًا عَالَمِيًّا
وهنا يجب الفصل بين أمرين:
قانون دولة ما، وقانون العالم.
الولايات المتحدة تستطيع فرض عقوبات بموجب قوانينها، وتستطيع استخدام نفوذها المالي في محاولة لإجبار شركات أجنبية على الالتزام بها.
لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن تلك العقوبات أصبحت قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن أو قاعدة عامة من قواعد القانون الدولي.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يذهب إلى الأمم المتحدة ومنظمة الطيران المدني الدولي:
هل يريد العالم نظامًا للطيران الدولي تحكمه الاتفاقيات الدولية، أم نظامًا يمكن أن تحدد فيه دولة واحدة من يزود الطائرة بالوقود ومن يبيع لها التذكرة؟
يَا لَهَا مِنْ سَمَاء!
ربما يأتي يوم نحتاج فيه في المطارات إلى جهاز جديد.
ليس جهاز كشف الحقائب.
ولا جهاز فحص الجوازات.
بل جهاز يكشف:
هل هذه الطائرة مسموح لها بالهبوط وفق قانون الدولة؟
أم وفق قانون واشنطن؟!
وعندها ربما توضع لافتة جديدة فوق المطارات:
«مرحبًا بكم في المجال الجوي السيادي…
يرجى انتظار الموافقة الدولية… أو الأمريكية، أيهما يصل أولًا!»
وهنا تصبح السخرية أبلغ من كل البيانات.
لأن القضية ليست طائرة إيرانية واحدة.
وليست بغداد أو مسقط أو باكو أو إسطنبول وحدها.
القضية هي:
من يضع قواعد الحركة في العالم؟
هل تضعها الاتفاقيات الدولية؟
أم تفرضها القوة الاقتصادية؟
هل تكون السيادة الوطنية قرارًا مستقلًا؟
أم تصبح مشروطة بقدرة الدولة الأقوى على معاقبة من يخالفها؟
وَفِي النِّهَايَة… مَنْ يَمْلِكُ مِفْتَاحَ السَّمَاءِ؟
لا إيران تملك سماء جيرانها.
ولا العراق يملك سماء إيران.
ولا عُمان أو أذربيجان أو تركيا مطالبة بتنفيذ سياسة طهران.
وبالمقابل:
لا الولايات المتحدة تملك سماء العالم.
وإذا اختارت دول عربية وإسلامية الالتزام بإجراءات أمريكية ضد إيران، فمن حق إيران سياسيًا أن تعيد تقييم علاقاتها معها وأن تتعامل معها وفق مبدأ المصالح المتبادلة والمعاملة بالمثل، في حدود القانون الدولي.
لكن الأهم ألا يتحول ذلك إلى سباق جديد من العقوبات المتبادلة.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران.
والطيران المدني لا ينبغي أن يصبح ساحة أخرى للحرب الاقتصادية.
أما الصداقة الدولية، فليست شعارًا في البيانات.
إنها مواقف تُختبر عندما تهب العاصفة.
ويبقى السؤال الأشد إلحاحًا:
أَلَيْسَ خُضُوعُ سُلْطَنَةِ عُمَانَ وَالْعِرَاقِ وَأَذَرْبَيْجَانَ، وَمَا يَجْرِي فِي تُرْكِيَا، لِضُغُوطِ وَعُقُوبَاتِ إِدَارَةِ دُونَالْدْ تْرَامْبْ، وَتَنْفِيذُ آثَارِهَا عَلَى أَرَاضِ هَذِهِ الدُّوَلِ، انْتِهَاكًا صَارِخًا لِسِيَادَتِهَا وَاسْتِقْلَالِ قَرَارِهَا الْوَطَنِيِّ؟
فإذا كانت واشنطن لا تملك مطارات بغداد ومسقط وباكو وإسطنبول، ولا تملك أجواء هذه الدول، فبأي حق تتحول عقوباتها الوطنية إلى قوة ضاغطة تحدد من يهبط، ومن يُزوَّد بالوقود، ومن تُقدَّم له الخدمات على أراضي دول أخرى؟
وهنا لا يعود السؤال عن طائرة إيرانية فقط، ولا عن رحلة أُلغيت، ولا عن مطار أُغلق أمام ناقلة جوية.
السؤال يصبح عن السيادة نفسها.
هل تظل سيادة الدولة قرارًا وطنيًا مستقلًا، أم تصبح مرهونة بحجم العقوبة التي تستطيع واشنطن فرضها على من يختار سياسة لا تتوافق مع إرادتها؟
وهل أصبحت مطارات العراق وسلطنة عُمان وأذربيجان، ومعها بعض المسارات المرتبطة بإسطنبول، تنتظر ما تقوله واشنطن قبل أن تقرر من يهبط على مدارجها؟
إذا كان الجواب نعم… فماذا تبقى من استقلال القرار الوطني؟



