إقتصادسلايدر

أوزبكستان تفتح دروب التجارة… من قلب آسيا إلى آفاق العالم

Listen to this article

أشرف أبو عريف

 

تبدو أوزبكستان اليوم وكأنها تعيد رسم موقعها الاقتصادي على خريطة آسيا: فالدولة الواقعة في قلب آسيا الوسطى لا تتعامل مع الجغرافيا كقيد، بل تحاول تحويلها إلى جسرٍ للتجارة والاستثمار والصناعة، عبر شبكة متداخلة من الشراكات الثنائية والأطر متعددة الأطراف.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة مع مشاركة عدد من أهم شركاء أوزبكستان التجاريين في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، الذي يضم 28 دولة، فيما تستضيف باكو القمة السابعة للمؤتمر في 15 أكتوبر 2026 خلال رئاسة أذربيجان، التي تركز على الترابط والرقمنة والنمو المستدام.

من الشراكات الثنائية إلى شبكة آسيوية واحدة

تكشف بيانات النصف الأول من عام 2026 عن عمق التشابك التجاري الأوزبكي مع الصين وروسيا وكازاخستان وتركيا وأفغانستان، وهي دول تمثل معًا نحو 53% من إجمالي التجارة الخارجية لأوزبكستان وفق المادة محل التحليل.

وتؤكد البيانات الرسمية الأوزبكية أن صادرات البلاد خلال يناير–يونيو 2026 بلغت 14.4 مليار دولار، بزيادة 32.2% على أساس سنوي، مع بروز روسيا والصين وأفغانستان وكازاخستان وتركيا بين أبرز أسواق الصادرات. (O‘zbekiston Respublikasi Hukumat portali)

وهنا تكمن أهمية مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا: فهو لا يحل محل العلاقات الثنائية، وإنما يمكن أن يمنحها إطارًا أوسع عندما تصبح المشروعات العابرة للحدود بحاجة إلى تنسيق عدة دول في آن واحد.

النقل… مفتاح الدولة الحبيسة

ربما يكون النقل هو المفتاح الأكثر وضوحًا لفهم الاستراتيجية الاقتصادية الأوزبكية.

فالدولة، بحكم موقعها الجغرافي، تحتاج إلى أكثر من طريق للوصول إلى الأسواق؛ تحتاج إلى شبكة ممرات متكاملة تسمح باختيار الطريق وفق التكلفة والوقت والقدرة الاستيعابية.

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين آسيا الوسطى وجنوب وشرق آسيا والشرق الأوسط، إلى جانب تطوير الاقتصاد المعرفي والتكنولوجيا الحديثة.

وقد اكتسب هذا التوجه بعدًا عمليًا خلال حوار ترميز الثاني حول الترابط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا في يونيو 2026، بمشاركة ممثلين عن 17 دولة من أعضاء المؤتمر، حيث ناقشت الأطراف الممرات متعددة الوسائط والخدمات اللوجستية الرقمية، بالتوازي مع الاطلاع على منشآت محطة ترميز للشحن ومركز أيريتوم للتجارة الدولية.

وبذلك لا تصبح السكك الحديدية والطرق والموانئ مجرد بنية تحتية، بل أوعية لحركة رأس المال والسلع والتكنولوجيا.

بحر قزوين… عندما تلتقي السكك الحديدية بالموانئ

وتكتمل الصورة عبر موانئ منطقة بحر قزوين، التي تمنح شبكة النقل البرية امتدادًا نحو الطرق البحرية.

ومن اللافت أن التعاون في هذا المجال لا يتوقف عند بناء الطرق، بل يمتد إلى تنسيق النقل البحري والسككي والبري، وإدارة الشحنات، والتعاون بين مشغلي الموانئ.

وهذه النقطة تحديدًا تعكس تحوّلًا مهمًا في مفهوم التجارة الحديثة: المنافسة لم تعد فقط على المنتج، وإنما أيضًا على السرعة والتكلفة والمرونة والقدرة على عبور الحدود بأقل قدر من التعقيدات.

من إزالة الحواجز إلى بناء سلاسل القيمة

وتبرز هنا أهمية التعاون داخل رابطة الدول المستقلة، التي ارتفع حجم التجارة الأوزبكية معها من 11.8 مليار دولار عام 2020 إلى 28.1 مليار دولار عام 2025، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية.

كما أن وجود آلاف الشركات ذات رأس المال الروسي والكازاخستاني والأذربيجاني والطاجيكي في أوزبكستان يعكس انتقال العلاقات الاقتصادية تدريجيًا من مجرد تبادل السلع إلى تشابك إنتاجي واستثماري أكثر عمقًا.

وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة: ألا تكتفي أوزبكستان بتصدير المنتج النهائي، وإنما تسعى إلى جذب التكنولوجيا والاستثمار وإنتاج المكونات والخدمات المتخصصة داخل البلاد.

وتعزز المؤشرات الصناعية هذا الاتجاه؛ فقد بلغ عدد الشركات العاملة ذات رأس المال الأجنبي في أوزبكستان 19,072 شركة حتى أبريل 2026، بحسب البوابة الحكومية الأوزبكية. (O‘zbekiston Respublikasi Hukumat portali)

الصناعة والذكاء الاصطناعي… الطريق إلى القيمة المضافة

من هنا تكتسب منتديات الصناعة والابتكار أهمية استراتيجية.

فالتعاون في الذكاء الاصطناعي، والأتمتة الصناعية، ونقل التكنولوجيا، والمواد الجديدة يمكن أن يفتح الباب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في سلاسل توريد أكبر.

وهذا يعني أن المصنع الكبير لا يعمل منفردًا؛ حوله شبكة من الشركات التي تنتج المكونات، وتقدم البرمجيات، والخدمات الهندسية، والصيانة، والحلول التقنية.

وهكذا تتحول التجارة من حركة بضائع بين الحدود إلى منظومة إنتاج تمتد عبر الحدود.

التمويل… الحلقة التي تكتمل بها الدائرة

لكن الممرات التجارية والمصانع والتكنولوجيا تحتاج إلى رأس مال.

ولهذا يأتي مؤتمر القمة المالية للمؤتمر، الذي عُقد اجتماعه الأول في أستانا في 8 سبتمبر 2026، ليضيف بعدًا ماليًا إلى أجندة الترابط الاقتصادي، عبر مناقشة تمويل التنمية والتعاون الاستثماري والحلول الرقمية.

وهنا تستطيع أوزبكستان أن تعرض مشروعاتها في النقل والطاقة والصناعة أمام مؤسسات ومستثمرين محتملين، لا باعتبارها مشروعات وطنية منفردة، وإنما كجزء من شبكات اقتصادية إقليمية أوسع.

وتؤكد بيانات الحكومة الأوزبكية أن مؤسسات التمويل الدولية تمثل جزءًا مهمًا من هيكل الدين الخارجي للبلاد، مع حضور مؤسسات مثل البنك الآسيوي للتنمية والبنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. (O‘zbekiston Respublikasi Hukumat portali)

الترابط ليس شعارًا… بل استراتيجية اقتصادية

المغزى الأعمق من هذه التحركات أن أوزبكستان تبدو في طور بناء اقتصاد قائم على الترابط: ترابط بين الأسواق، والموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والمؤسسات المالية، والشركات، والتكنولوجيا.

كما أن نمو صادرات الخدمات يضيف بعدًا جديدًا؛ فقد بلغت صادرات الخدمات الأوزبكية 7.3 مليار دولار خلال يناير–يوليو 2026، بزيادة 35.3%، وكان النقل والاتصالات وخدمات التكنولوجيا من مكوناتها المهمة. (O‘zbekiston Respublikasi Hukumat portali)

ومن ثم، فإن المشاركة في الأطر متعددة الأطراف لا تبدو مجرد حضور دبلوماسي؛ إنها محاولة لتحويل الموقع الجغرافي لأوزبكستان إلى قيمة اقتصادية مضافة.

فكل طريق جديد قد يصبح سوقًا جديدة، وكل ميناء قد يصبح بوابة لصناعة، وكل استثمار قد يتحول إلى سلسلة إنتاج، وكل اتفاق تجاري قد يفتح نافذة أمام شركة صغيرة.

وفي النهاية…

أوزبكستان لا تبحث فقط عن أسواق جديدة؛ إنها تعمل على بناء الطرق التي تقود إليها، والمصانع التي تنتج من أجلها، والتمويل الذي يربطها بها.

ومن قلب آسيا الوسطى، تبدو الرسالة الاقتصادية واضحة: حين تتصل الطرق بالموانئ، والصناعة بالتكنولوجيا، والتمويل بالتجارة، تتحول الجغرافيا من حدودٍ صامتة إلى قوةٍ اقتصادية نابضة.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى