سمرقند تفتح نوافذ الكرامة.. 60 عاماً من العهود و40 عاماً من حق التنمية

أشرف أبو عريف
تستعد طشقند وسمرقند لاستضافة الدورة الخامسة من منتدى سمرقند لحقوق الإنسان يومي 28 و29 سبتمبر 2026، في محطة دولية تسعى إلى تحويل الحوار حول حقوق الإنسان من مجرد تبادل للمواقف إلى شراكة عالمية تربط الكرامة بالمساواة والتنمية المستدامة.
ويأتي المنتدى هذا العام تحت عنوان يحمل دلالة تاريخية عميقة: «60 عاماً على العهدين الدوليين لحقوق الإنسان و40 عاماً على إعلان الحق في التنمية: شراكة عالمية من أجل الكرامة والمساواة والتنمية المستدامة»، بما يضع المناسبة في سياق مراجعة مسيرة النظام الدولي لحقوق الإنسان، واستشراف آفاق تطويره في عالم تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من سمرقند.. حوار يتجاوز الجغرافيا
تكتسب الدورة الخامسة أهمية خاصة من طبيعة المشاركين المنتظر حضورهم، إذ تجمع ممثلين عن المنظمات الدولية والجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والخبراء والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني من دول مختلفة.
وهذا التنوع يمنح المنتدى فرصة لبحث حقوق الإنسان باعتبارها قضية عالمية لا تنفصل عن السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية والتعاون الدولي، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في حياة الشعوب.
ستة عقود على العهدين الدوليين
ويصادف عام 2026 مرور 60 عاماً على اعتماد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذين اعتمدتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966.
ويمثل هذا التاريخ محطة مهمة في تطور المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، إذ كرّس العهدان مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، ورسّخا مبدأ أن حماية الإنسان لا تقتصر على جانب واحد من حياته، بل تشمل حرياته المدنية والسياسية وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
40 عاماً على إعلان الحق في التنمية
ولا يقل الاحتفاء بمرور 40 عاماً على إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية أهمية، فقد أقر الإعلان حق الأفراد والشعوب في المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والإسهام فيها والاستفادة من ثمارها.
وهنا تتضح إحدى أهم رسائل منتدى سمرقند: لا يمكن فصل حقوق الإنسان عن التنمية، كما لا يمكن اختزال التنمية في المؤشرات الاقتصادية بعيداً عن الإنسان وكرامته ومشاركته وفرصه العادلة.
«روح سمرقند».. من الحوار إلى التأثير
وتشير التجربة الأوزبكية خلال العقد الأخير إلى تحول منتديات سمرقند الخاصة بحقوق الإنسان إلى تقليد للحوار الدولي حول القضايا الأكثر إلحاحاً.
وبحسب المادة المنشورة عن المنتدى، ارتبط هذا المسار بمبادرات الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، الذي أشار في خطاباته إلى أن المنتدى الآسيوي لحقوق الإنسان الذي استضافته أوزبكستان للمرة الأولى عام 2018 أضاف إلى الممارسة الدولية ما وصفه بـ «روح سمرقند».
وتحمل العبارة دلالة تتجاوز المكان؛ فـ«روح سمرقند» يمكن قراءتها بوصفها محاولة لبناء مساحة للحوار تجمع الحضارات والثقافات والخبرات المختلفة حول قضايا الإنسان، بدلاً من حصر النقاش في منطق الاستقطاب الدولي.
أوزبكستان والبعد الدولي لحقوق الإنسان
ويأتي انعقاد المنتدى في عام يحمل مناسبات بارزة في تاريخ المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، ليعكس، وفق المادة، تمسك أوزبكستان بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ورغبتها في الإسهام بصورة عملية في تطوير الحوار العالمي.
ومن هذه الزاوية، تبدو أهمية منتدى سمرقند في قدرته على طرح سؤال أوسع من مجرد الاحتفال بذكريات قانونية أممية: كيف يمكن إعادة وصل حقوق الإنسان بالتنمية، وإعادة بناء التعاون الدولي حول الإنسان في زمن تتسع فيه الفجوات الاقتصادية والسياسية وتتعدد فيه الأزمات؟
إن اختيار الكرامة والمساواة والتنمية المستدامة عنواناً جامعاً للدورة الخامسة يضع الإنسان في قلب المعادلة؛ فالتنمية التي لا تصون الكرامة تظل ناقصة، والمساواة التي لا تجد طريقها إلى الواقع تبقى شعاراً، والتعاون الدولي الذي لا يتحول إلى نتائج ملموسة يظل حبيس قاعات المؤتمرات.
ومن سمرقند، المدينة التي تحمل ذاكرة التقاء الحضارات، يأتي المنتدى في لحظة دولية تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة لغة الحوار، والبحث عن أرضية مشتركة تجعل حقوق الإنسان جسراً للتعاون لا ساحة جديدة للصراع.



